بقلم: يدير اكيندي أستاذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية وخبير في التنمية الشاملة والاعاقة
يأتي نشر هذه المادة في سياق تقاسم المعلومة العمومية كما وفّرتها المندوبية السامية للتخطيط. ليس فقط بهدف عرض الأرقام. بل من أجل قراءتها قراءة تحليلية نقدية تسمح باستخلاص خلاصات عملية قابلة للتحويل إلى سياسات عمومية جديدة أكثر شمولاً وفعالية. فالإحصائيات، حين تُستثمر بشكل سليم، تتحول من مجرد معطيات تقنية إلى أدوات استراتيجية لتوجيه القرار العمومي، خاصة في قضايا مركبة كقضية الإعاقة.
وتكتسي هذه القراءة أهمية مضاعفة في ظل التزامات المغرب الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وكذا انخراطه في تنزيل أهداف التنمية المستدامة. التي تجعل من مبدأ “عدم ترك أي أحد خلف الركب” قاعدة مرجعية لكل السياسات التنموية.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تشخيص الوضع. بل في تطوير آليات فعالة لتنزيل السياسات العمومية. قادرة على تحويل هذه الالتزامات إلى واقع ملموس يضمن الكرامة والاستقلالية والمشاركة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة.
الإحصاء كبوصلة للعدالة الاجتماعية
لا يمكن الحديث عن سياسات عمومية منصفة دون الارتكاز على قاعدة بيانات دقيقة ومحينة. وفي هذا الإطار، يشكل الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 محطة مفصلية لفهم تحولات المجتمع المغربي. خاصة فيما يتعلق بوضعية الأشخاص في وضعية إعاقة.
إن هذه المعطيات تمثل فرصة لإعادة بناء التصورات، والانتقال من مقاربة إحسانية أو قطاعية ضيقة، إلى مقاربة حقوقية شمولية. تضع الإنسان في صلب التنمية، وتنسجم مع الرؤية الاستراتيجية لبناء “مغرب دامـج”.
تشخيص الواقع: أرقام تفضح الفوارق المجالية والنوعية وتطرح أسئلة الإصلاح
- الفجوة التعليمية : معضلة الأمية والهدر المدرسي
تكشف أرقام إحصاء 2024 عن “شرخ معرفي” عميق يهدد مستقبل الإدماج؛ فحين تشير المعطيات إلى أن 67.7% من الأشخاص في وضعية إعاقة يفتقرون لأي مستوى دراسي. فنحن أمام واقع يكرس العزلة المعرفية. هذه الفجوة ليست مجرد رقم، بل هي نتيجة لتراكم عوائق الولوجية في المؤسسات التعليمية. وغياب البرامج التربوية الدامجة التي تكييف المناهج مع مختلف أنواع الإعاقة. إن الاستمرار في هذا المسار يعني إعادة إنتاج الأمية والفقر، مما يستدعي “ثورة تربوية” تجعل من المدرسة بيئة حاضنة للجميع دون استثناء.
- 2. الفجوة الترابية ومقاربة النوع : الهشاشة المركبة
يبرز الإحصاء تفاوتاً صارخاً بين الحواضر والبوادي؛ حيث تعيش المرأة ذي الإعاقة في العالم القروي وضعية “إقصاء مضاعف”. فمن جهة، تعاني من ضعف البنيات التحتية الأساسية (الماء، التطهير، الطرق). ومن جهة أخرى، تصطدم بغياب المراكز الصحية والتربوية المتخصصة. هذه الفجوة الترابية تعني أن “حظوظ المواطنة” تختلف باختلاف مكان الولادة. مما يبرز أهمية برامج التنمية الترابية المندمجة التي دعا إليها جلالة الملك، لضمان توزيع عادل للخدمات يراعي خصوصية النوع الاجتماعي وصعوبة المجال الجغرافي.
- الولوج إلى الخدمات الصحية وإشكالية الحماية الاجتماعية
رغم القفزة النوعية في نسبة التغطية الصحية التي وصلت إلى 63.3%. إلا أن “الاستفادة الفعلية” تظل محفوفة بالتحديات. فالإشكالية لا تكمن فقط في التوفر على “بطاقة التغطية”. بل في جودة الخدمات الصحية المتخصصة وقربها من الأشخاص ذوي الإعاقة. كما أن تعميم الحماية الاجتماعية، كورش ملكي رائد. يفرض اليوم تطوير “سلة خدمات” صحية وتشخيصية مجانية تلامس احتياجات الأشخاص الذين يعانون من عجز كلي، لضمان عدم سقوطهم في براثن التبعية المطلقة للأسرة.
- الولوج إلى سوق الشغل : من الإعالة إلى الاستقلال الاقتصادي
يظل معدل الشغل الذي لا يتجاوز 8.9% مؤشراً على “عطالة قسرية” تفرمل طاقات اقتصادية هائلة. إن إشكالية الولوج إلى سوق الشغل مرتبطة بضعف التكوين المهني المتخصص من جهة، وبتمثلات أرباب العمل من جهة أخرى. إن الانتقال من منطق “الإعانة الاجتماعية” إلى منطق “التمكين الاقتصادي” يمر عبر تفعيل آليات التمييز الإيجابي في القطاعين العام والخاص، ودعم المقاولات الذاتية للأشخاص في وضعية إعاقة. ليكونوا فاعلين في التنمية ومنتجين للثروة وليسوا عالة عليها.
- الصور النمطية : العائق الرمزي أمام المواطنة الكاملة
بعيداً عن الأرقام، تظل “الصور النمطية” العائق غير المرئي الأكثر تأثيراً؛ فالمجتمع لا يزال يحصر الشخص في وضعية إعاقة بين ثنائية “الشفقة” أو “البطولة الخارقة”. هذا الوصم الاجتماعي، الذي تغذيه أحياناً أمثال شعبية متجاوزة أو تمثلات إعلامية خاطئة، يحرم الشخص من حقه في “الاعتيادية”. إن معركة تغيير العقليات هي المدخل الأساسي لنجاح أي مشروع ترابي؛ فمن دون “ثقافة دامجة” تعتز بالتنوع البشري. ستظل كل الولوجيات المادية عاجزة عن تحقيق الاندماج الوجداني والاجتماعي الكامل
الحكامة الترابية: نحو جيل جديد من السياسات العمومية
في ظل التحولات التي يعرفها المغرب، تبرز الحاجة إلى حكامة ترابية جديدة قادرة على تنزيل سياسات دامجة. قائمة على التشخيص الدقيق، والمقاربة التشاركية، والولوجية الشاملة.
نحو أثر ملموس ومستدام
انطلاقاً من هذه القراءة التحليلية لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، وبالاستحضار الواعي لمضامين اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأهداف أهداف التنمية المستدامة، يمكن بلورة حزمة من التوصيات العملية القابلة للتنفيذ:
- على مستوى الحكامة والتخطيط:
- إدماج مؤشر “الإعاقة” كمعيار إلزامي في إعداد وتتبع السياسات العمومية والبرامج الترابية
- إحداث آلية وطنية مندمجة لتنسيق تدخلات القطاعات الحكومية في مجال الإعاقة
- اعتماد نظام معلوماتي وطني موحد لتجميع وتحيين المعطيات
- في مجال التعليم:
- تعميم التعليم الدامج بشكل تدريجي مع تحديد آجال زمنية واضحة
- تطوير مناهج بيداغوجية مرنة تستجيب لمختلف أنواع الإعاقة
- تأهيل الموارد البشرية التربوية في مجال التربية الدامجة
- في مجال الصحة والحماية الاجتماعية:
- إقرار سلة خدمات صحية أساسية ومجانية للأشخاص في وضعية إعاقة
- تعزيز العرض الصحي المتخصص على المستوى الجهوي
- تسهيل الولوج إلى الأجهزة التعويضية والدعم التقني
- في مجال التشغيل والتمكين الاقتصادي:
- التفعيل الصارم لنظام الحصص في الوظيفة العمومية
- تحفيز القطاع الخاص عبر آليات ضريبية وتشجيعية
- دعم المبادرات الذاتية والمقاولة الاجتماعية
- في مجال تغيير التمثلات المجتمعية:
- إطلاق حملات وطنية مستمرة لمحاربة الصور النمطية
- إدماج موضوع الإعاقة في الإعلام والمدرسة والثقافة
- دعم بروز نماذج نجاح حقيقية لأشخاص في وضعية إعاقة
- في مجال الولوجيات:
- فرض احترام معايير الولوجية في جميع المشاريع العمومية والخاصة
- تطوير الولوجيات الرقمية (مواقع، تطبيقات، خدمات إلكترونية)
- تعميم خدمات الترجمة بلغة الإشارة وبرايل
الحكامة الترابية: تنزيل السياسات بروح المجلس الوزاري الأخير
يأتي ربط هذه المعطيات بـ مخرجات المجلس الوزاري الأخير الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ليفتح أفقاً جديداً لتجاوز هذه الاختلالات. فالمغرب اليوم يدشن “جيلاً جديداً من برامج التنمية الترابية المندمجة” بميزانية ضخمة تناهز 210 مليارات درهم على مدى 8 سنوات.
إن هذه المقاربة المتجددة تعتمد على فلسفة “الإنصات للمواطن”، وتتقاطع مع ملف الإعاقة في ثلاثة أبعاد استراتيجية:
- الاحتياجات المحلية أولاً: التشخيص الترابي الذي دعا إليه جلالة الملك يفرض أخذ خصوصيات الشخص المعاق في كل إقليم بعين الاعتبار، لضمان ولوجه الفعلي لقطاعات التعليم والصحة والشغل والماء الصالح للشرب.
- الحكامة التصاعدية: عبر إحداث لجان إقليمية يترأسها العمال، يصبح الشخص في وضعية إعاقة جزءاً من “المشاورات الواسعة” وليس مجرد رقم إحصائي، لضمان صياغة برامج تستجيب لمتطلباته الحقيقية في محيطه المباشر.
- الولوجية الشاملة: إن “الرفع من جاذبية المجالات الترابية” لا يكتمل إلا بدمج البعد الثقافي والرمزي؛ أي الانتقال من مجرد وضع “منحدرات” إلى توفير ولوجيات تواصلية (لغة الإشارة، برايل، ومضامين رقمية ميسرة) تضمن حق الجميع في المشاركة الاجتماعية.
إن ورش إصلاح منظومة الإعاقة، المسلح بمعطيات إحصاء 2024، هو اختبار حقيقي لقدرتنا على تحقيق التنمية الشاملة. إن حكامة “الجيل الجديد” تفرض على الفاعلين المحليين والجهويين جعل “مقاربة الإعاقة” معياراً ثابتاً في برامج التأهيل الترابي، تنفيذاً للإرادة الملكية السامية التي تجعل من تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين وصون كرامتهم الغاية الأسمى لكل سياسة عمومية.
إن إحصائيات 2024 ليست مجرد معطيات رقمية، بل هي أرضية لإطلاق جيل جديد من السياسات العمومية الدامجة. ويبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على تحويل هذه الأرقام إلى أثر ملموس في حياة المواطنات والمواطنين، بما ينسجم مع طموح بناء مغرب أكثر عدلاً وإنصافاً وكرامة للجميع.

