منذ قيام الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام محمد رضا بهلوي، لم تتوقف محاولات تشكيل معارضة سياسية للنظام الجديد. غير أن المفارقة التي طبعت المشهد الإيراني طوال العقود الماضية هي أن القسم الأكبر من هذه المعارضة تشكّل خارج البلاد، في المنفى، بينما ظل الشارع الإيراني يتحرك غالبًا بدوافع داخلية وبلا قيادة سياسية موحّدة.
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما هو الوزن الحقيقي للمعارضة الإيرانية في الخارج؟ وهل تستطيع التأثير في الداخل أو التحول إلى بديل سياسي فعلي؟
ومع الهجوم الاسرائيلي الأمريكي ضد إيران، كان السيناريو المطروح من طرف الخبراء أن الضربات الجوية وقوة الدمار لا يمكن أن تسقط وتغير النظام بدون زحف بري أو انتفاضة داخلية للشارع. إلى حدود الآن، مازال الوضع الداخلي مستقرا رغم ظروف الحرب الشاملة، وهو ما يعقد أكثر سيناريو الانقلاب او التورة من الشارع.
فسيفساء معارضة… لا جبهة موحّدة
المعارضة الإيرانية في الخارج ليست تنظيمًا واحدًا، بل طيف واسع من التيارات المتباينة في الرؤية والأيديولوجيا.
البهلويون أو الملكيون
في مقدمة هذه التيارات يبرز التيار الملكي الذي يتمحور حول رضا بهلوي، نجل الشاه السابق. يطرح هذا التيار نموذجًا علمانيًا للدولة، ويتحدث أحيانًا عن ملكية دستورية وأحيانًا عن جمهورية ديمقراطية، في محاولة لاستقطاب شرائح مختلفة من المعارضين.
يتحلق حول هذا التيار قدماء النخب السياسية والعسكرية والأمنية والبورجوازية التي اغتنت من ريع وفساد نظام الشاه، والتي هربت خارج إيران بعد اندلاع التورة.
غير أن تيار البهلويين يجر وراءه ماضي ثقيل بالفساد والقهر، إضافة إلى صفحة سوداء مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان و تعذيب واغتيال وسجن المعارضين الايرانيين. وهي كلها عناصر ساهمت في الثورة ضد نظام امبراطور إيران السابق.
مجاهدي خلق
أبرز تنظيم معارض منظم في الخارج هو منظمة مجاهدي خلق، التي يقود واجهتها السياسية “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية”
تجمع بين خطاب إسلامي-ثوري سابقًا، وتوجهات أكثر علمانية في السنوات الأخيرة.
كانت مصنفة لسنوات ضمن قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قبل رفعها من تلك القوائم. وتتخذ من ألبانيا مقرًا رئيسيًا حاليًا.
تتهمها طهران بالتحالف مع أعداء إيران، خصوصًا خلال الحرب العراقية الإيرانية. هذه المنظمة منظمة جدًا ومتماسكة داخليًا، لكنها مثيرة للجدل وسط بقية أطياف المعارضة، وكثير من المعارضين يرفضون العمل تحت مظلتها.
التيار الإصلاحي في المنفي
يضم شخصيات كانت جزءًا من النظام ثم انقلبت عليه أو ابتعدت عنه، خاصة بعد احتجاجات 2009 المرتبطة بانتخابات محمود أحمدي نجاد.
من أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وإن كانا داخل إيران وتحت الإقامة الجبرية لسنوات.
هذا التيار لا يطرح دائمًا إسقاط النظام بالكامل، بل إصلاحه أو تغييره تدريجيًا. جزء من قاعدته الشعبية داخل إيران أكثر من الخارج.
حزب تودة
كما توجد قوى يسارية تاريخية مثل حزب توده الإيراني الذي كان يومًا أحد أبرز الأحزاب السياسية في إيران. هذا الحزب يحظى بالاحترام وقدم كوادر بارزة وتضحيات وجسيمة. تعرّض للقمع الشديد من طرف نظام الشاه كما من طرف الخميني، لكنه فقد كثيرًا من نفوذه داخل البلاد نتيجة الحصار والإبادة التي تعرض لها، وبات حضوره يتركز أساسًا في المنفى.
الأكراد والأقليات
إلى جانب هذه القوى، تنشط حركات قومية تمثل أقليات مختلفة مثل الأكراد والبلوش والعرب، بعضها يطالب بالفيدرالية أو الحكم الذاتي، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى مشهد المعارضة.
غير أن هاته الحركات، خاصة الأكراد، ينظر إليها بعين الريبة من طرف الإيرانيين، نظرا لارتباطها الوثيق مع المخابرات الأميركية والموساد الإسرائيلي، ومحاولتها اقتطاع جزء من الأراضي الإيرانية على غرار تجربة أكراد العراق. كما أنها تحت مراقبة تركيا، التي لن تسمح بإنشاء إقليم كردي آخر ينضاف إلى كردستان العراق.
شارع يتحرك… بلا قيادة واضحة
الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن دينامية التغيير داخل البلاد لا تُدار من الخارج.
فبعد وفاة مهسا أميني سنة 2022، اندلعت احتجاجات واسعة في عدد كبير من المدن الإيرانية. لكن اللافت في تلك الاحتجاجات أنها كانت لامركزية، شبابية، وعفوية إلى حد كبير.
الشعارات التي رُفعت في الشارع لم تكن مرتبطة بحزب أو زعيم سياسي في المنفى. بل كانت تعبيرًا عن مطالب اجتماعية وثقافية وسياسية متراكمة: الحرية الفردية، حقوق المرأة، العدالة الاقتصادية، وإنهاء القيود السياسية.
صحيح أن وسائل إعلام ناطقة بالفارسية، مدعومة من طرف الدول الغربية، تبث من الخارج لعبت دورًا في نقل صور الاحتجاجات وتضخيم صداها، لكن ذلك لم يتحول إلى قيادة سياسية مباشرة للحراك.
وبذلك بدت المفارقة واضحة: الشارع يتحرك بقوة، لكن بلا إطار سياسي جامع.
فجوة الثقة بين الداخل والمنفى
إحدى أكبر المشكلات التي تواجه المعارضة الإيرانية في الخارج هي فجوة الثقة بينها وبين الداخل.
فكثير من الإيرانيين، حتى من المنتقدين للنظام، ينظرون بحذر إلى القوى السياسية الموجودة في الخارج.
ويرتبط هذا الحذر بتاريخ طويل من الانقسامات الأيديولوجية والصراعات السياسية التي أعقبت الثورة.
النظام الإيراني بدوره يوظف خطاب “التدخل الأجنبي” لتقويض مصداقية المعارضين في الخارج، مقدّمًا إياهم باعتبارهم أدوات لقوى خارجية تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.
هذا الخطاب يجد أحيانًا صدى لدى جزء من المجتمع، خاصة في ظل ذاكرة تاريخية حساسة تجاه التدخلات الأجنبية في إيران.
الدعم الغربي والإسرائيلي… سلاح ذو حدين
من بين أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المعارضة الإيرانية مسألة العلاقة مع الغرب وإسرائيل.
في هذا السياق يبرز اسم رضا بهلوي الذي يحظى بحضور ملحوظ في الإعلام الغربي، ويُستقبل في بعض الدوائر السياسية والبحثية في أوروبا وأمريكا الشمالية.
كما أثارت زيارته إلى إسرائيل عام 2023 ولقاءاته مع مسؤولين هناك نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الإيرانية.
بالنسبة لأنصاره، يُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من محاولة بناء شبكة دعم دولية لقضية التغيير في إيران.
أما منتقدوه فيرون فيها تقاربًا قد يمنح النظام الإيراني مادة دعائية قوية لاتهام المعارضة بالارتهان للخارج.
في الواقع، تبدو ارتباطات التيار الملكي مع إسرائيل واضحة خلال التظاهرات التي ينظمها بأوربا وأمريكا. حيث ترفع دائما أعلام إيران الإمبراطورية رفقة أعلام إسرائيل. إضافة إلى العداء الشديد الذي يكنه أنصاره إلى كل ما هو عربي وله علاقة بالإسلام. وتشير العديد من التقارير إلى دور بارز للموساد في الزخم الإعلامي والترويج لهذا التيار.
الحركات الإصلاحية واليسارية لا تنظر بعين الرضا إلى هذا التيار وترفض التنسيق معه، وتعتبره امتدادًا لنظام الشاه السابق وفاقد لأي استقلالية نظرا لتبعيته المطلقة لأمريكا وإسرائيل.
وهنا تظهر معادلة معقدة:
كلما اقتربت شخصية معارضة من العواصم الغربية أو من إسرائيل، ازدادت قدرتها على كسب الدعم الدولي… لكنها قد تخاطر في الوقت نفسه بخسارة جزء من الشرعية الوطنية داخل إيران.
متى يصبح للمنفى دور حاسم؟
رغم محدودية تأثيرها الحالي، لا يمكن استبعاد دور المعارضة في الخارج بالكامل.
التجارب التاريخية تشير إلى أن معارضات المنفى غالبًا ما تلعب دورًا أكبر في لحظات التحول الكبرى:
عندما تتصدع السلطة من الداخل، أو تنشأ أزمة سياسية واقتصادية عميقة، أو يحدث انقسام داخل النخبة الحاكمة.
في مثل تلك اللحظات، قد تتحول شخصيات الخارج إلى طرف في معادلة انتقال سياسي، سواء عبر التفاوض أو عبر تشكيل جبهات سياسية جديدة.
لكن حتى الآن، لا توجد شخصية أو قوة معارضة استطاعت أن تجمع مختلف التيارات الإيرانية تحت مشروع سياسي واحد.
معارضة بلا شارع… أم شارع بلا قيادة؟
المشهد الإيراني اليوم يمكن تلخيصه في مفارقة واضحة: المعارضة في الخارج تملك المنابر الإعلامية والدعم والاهتمام الدولي، لكنها لا تملك النفوذ التنظيمي داخل البلاد.
الشارع في الداخل يملك القدرة على الاحتجاج والحشد، لكنه يفتقر إلى قيادة سياسية موحّدة، ولا يثق في الكثير من تيارات المعارضة، وبصفة خاصة ابن الشاه السابق.
وبين هذين المستويين، يبقى التغيير السياسي في إيران معلقًا في منطقة رمادية:
احتجاجات تتكرر، لكنها لا تتحول إلى مشروع سياسي شامل، ومعارضة في المنفى تسعى إلى لعب دور أكبر، لكنها لم تنجح بعد في اكتساب الشرعية الكافية داخل المجتمع الإيراني.
السؤال الحقيقي الذي يواجه إيران اليوم ليس فقط إن كانت المعارضة ستتوحّد، بل إن كان الشارع نفسه قادرًا على إنتاج قيادته من داخله، بعيدًا عن انقسامات المنفى وإرث الصراعات التي أعقبت ثورة 1979، أو قدرة النظام الحالي على الانفتاح وتغيير عقيدته السياسية.

