بقلم: المقدم عبدالرحيم*
تشكل احتجاجات جيل Z في السياق الراهن نتيجة حتمية وضريبة مباشرة لتغييب الأدوار الجوهرية للمؤسسات الوسيطة، إذ لم يعد خافيا أن الأحزاب السياسية جرى نسفها من الداخل وإخضاعها لمنطق التحكم، في حين تم تطويع النقابات وإفراغها من قوتها التفاوضية، كما أُغرقت العديد من الجمعيات المدنية بالدعم الداخلي والخارجي بما جعلها رهينة للولاءات بدل أن تكون فضاءات للتأطير والتعبئة والدفاع عن القضايا العامة. هذا التآكل التدريجي لفعالية المؤسسات، باعتبارها آليات للتنشئة السياسية والمدنية ومدخلا طبيعيا للإصلاح ومجالا مؤسسيا للاحتجاج، أدى إلى توقف عجلة المشاركة المؤطرة وإغلاق مسارات الوساطة، فكان الشارع الملاذ والمفر الوحيد أمام الأجيال الجديدة للتعبير عن مطالبها العادلة والمشروعة، بما في ذلك الحق في التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية.
ورغم تراجع أدوار المدرسة العمومية التي كانت لعقود مجالا للتنشئة على قيم المواطنة، ورغم تغلغل ثقافة التفاهة وصعود المؤثر كبديل هش عن النخب الفكرية والسياسية، استطاع جيل Z تطوير وعي نقدي متقدم. فقد حول الفضاء الرقمي إلى فضاء عمومي بديل يمارس داخله النقاش العام وينتج خطاباته الاحتجاجية ويعبئ الرأي العام، لينتقل بعد ذلك إلى الفعل والممارسة على أرض الواقع. هذا المزج بين الافتراضي والواقعي منح حراك هذا الجيل قدرة تنظيمية وتعبيرية جديدة، تجاوزت الأطر التقليدية وأعادت رسم علاقة الشباب بالسياسة والمجتمع.
غير أن اعتماد المقاربة الأمنية في التعامل مع هذا الحراك يظل خياراً مكلفا للدولة، إذ قد يحقق تهدئة ظرفية لكنه يفاقم فقدان الثقة ويستنزف الموارد المالية والبشرية ويضر بصورة البلاد دوليا. والتجارب الدولية تؤكد أن الاقتصار على الحلول الأمنية لا يحقق استقرارا دائما، بل يؤدي إلى انفجارات أشد حدة. ولا يمكن تجاوز هذه الحلقة إلا بإطلاق إصلاحات سياسية واجتماعية تعيد الاعتبار للمؤسسات وتضمن انخراط الشباب في بناء السياسات العمومية وصياغة المستقبل المشترك.
إن احتجاجات جيل Z ليست نزعة عاطفية أو تمردا عابرا، بل تجسيد لوعي شبابي عميق بحقوقه المشروعة. وهي إشارة واضحة إلى أن هذا الجيل لا يبحث عن القطيعة مع الدولة، بل عن علاقة جديدة تقوم على الاعتراف والمشاركة والإنصاف. كما أنها تؤكد الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار لمؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية، وجعلها فضاءات حقيقية للتعبير والممارسة الديمقراطية، بدل أن تظل أدوات رمزية فارغة أو رهينة الولاءات الضيقة. وفي هذا السياق، تصبح المطالب بحق التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية أكثر من شعارات احتجاجية، فهي أدوات استراتيجية لإرساء عقد اجتماعي متوازن، يضمن الاعتراف الكامل بالشباب كشركاء فاعلين ومسؤولين في صنع القرار والمجتمع، ويؤسس لثقافة سياسية قائمة على المشاركة والشفافية والإنصاف.
وبالتالي، يتحول التحدي المطروح أمام الدولة من مجرد إدارة الاحتجاجات إلى تبني مقاربة شاملة ترتكز على الحوار المفتوح والإصلاح المؤسسي، والاستثمار في بناء قدرات الشباب وتأهيل المؤسسات الوسيطة. فجيل Z، بطاقته الاحتجاجية وقدرته على التأطير الذاتي، يشكل فرصة حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل الاحتجاج إلى مشروع إصلاحي ديمقراطي يضمن المشاركة الفاعلة ويؤسس لمستقبل مستقر ومزدهر.
*طالب باحث بسلك الدكتوراه ومهتم بشؤون الشباب و المجتمع المدني

