بقلم: عمر لبشيريت
بعث إليَّ صديقي ملصقاً ودعوة لحضور محاضرة يلقيها كاتب مصري يقدّم نفسه بأنه ملحد، ويعلن صراحة أن «مشروع الإسلام كحضارة هو مشروع عقيم». رفضت الدعوة. لم يكن السبب 22 دولاراً ثمن التذكرة، بل أنني أعرف الخطاب جيداً، ولم يعد يقدّم جديداً.
منذ سنوات، أتابع ما يكتبه وينشره عدد من المغاربة الذين تحولوا من الإسلام إلى الإلحاد أو اللادينية أو المسيحية. وقبل ذلك، كنتُ، بحكم عملي الصحافي، أرصد الجماعات الجهادية، أتابع أخبارها ومسارات أفرادها في العراق وسوريا، وتعرفتُ في المنتديات الخاصة على العديد منهم. بعضهم مات في «ساحات الجهاد»، وبعضهم الآخر دخلتُ معه في حوار طويل.
ظلَّ يلفتني دائماً أمر واحد: الشبه الكبير بين “المتحولين” عن الإسلام وبين “الجهاديين”. كلاهما يهرب من دين يراه “متخلفاً” – أحدهما يراه متخلفاً عن العصر الحالي، والآخر يراه متخلفاً عن العصر الأول – وكلاهما يختار التطرف في الابتعاد عنه.
لا أحاكم معتقدات الناس ولا اختياراتهم الشخصية. كل إنسان حر في حياته الدينية أو اللادينية. لكن ما يأسرني حقاً هو التجربة الإنسانية التي يعيشها الفرد بعد التحول العميق: كيف يعيش إيمانه الجديد أو عدم إيمانه؟ ما هي تجربته الروحية الجديدة؟ كيف يصف السكينة الداخلية التي وجدها؟
ومع ذلك، لم أجد عند معظم “المتحولين” المغاربة إلى الإلحاد أو اللادينية ما يشفي غليلي. لم أجد توثيقاً صادقاً وعميقاً لتجربتهم الروحية الجديدة. بالمقابل، وجدتُ حضوراً طاغياً للتجربة القديمة – الإسلام – يسكنهم ويخنقهم. لم يستطيعوا التخلص منه ولا الابتعاد عنه. هوس، يصل، أحيانا، حد الإدمان.
كثير من هذه التجارب لا تقدم سرداً عميقاً للتحول الروحي الجديد، ولا تسعى إلى استقطاب “متحولين” جدد، بقدر ما تظل أسيرة الماضي، وكأنها لم تغادره فعلياً. الهم الأساسي، والوحيد، هو الإمعان، أحياناً بشكل مرضي وهستيري، في “تشرميل” الإسلام.. تحس بأن الناس تعيش شقاء وجودياً، تغوص في حالة من الاشتباك والمواجهة المستمرة. لذلك، يبدو الأمر مجرد كره اتجاه دين سابق، يرفض أن يغادر، أكثر منه إلحاداً.
من المفروض أن من يغادر ديناً ما يطوي الصفحة، يعتكف بعيداً ليختبر تحوله حقاً، ثم يعود ليحدثنا عن “الفتح” الجديد الذي اكتشفه، أو يغادر الناس ببساطة ليعيش سلاماً داخلياً. لكن الواقع الذي أتابعه منذ عقود مختلف تماماً.
منطقيًا، يُفترض أن يقود التحول الفكري أو الإيماني إلى قدر أكبر من التسامح والاتزان، والاعتدال، وأن يفتح أفقاً جديداً للعيش والمعنى. كما يُفترض أن يُغري هذا التحول الآخرين، عبر تقديم تجربة إيجابية أو نموذج مختلف. غير أن الملاحظ، في عدد من الحالات، هو العكس تماماً: تصاعد في حدة الخطاب، ونزوع نحو العنف اللفظي، والعدوانية، وتركيز شبه حصري على “تشرميل” الإسلام دون غيره.
يغادرون “إسلاماً عنيفاً ودموياً” – كما يصفونه – ليصبحوا هم أكثر عنفاً لفظياً وأكثر عدوانية. يتحول الهجوم على الدين السابق إلى هاجس يومي، بل إلى تخصص ومهنة. بدلاً من أن يصبحوا أكثر تسامحاً وعقلانية كما يفترض أن يفعل من “تحرر”، يصبحون أكثر حدة وأكثر هيستيرية.
في حالات عديدة، يبدو أن الدين الذي تم التخلي عنه يظل حاضراً بقوة في الخطاب، بل يصبح محوراً يومياً للهجوم والنقد اللاذع. بدل أن يكون التحول مدخلاً نحو السكينة أو إعادة بناء الذات، يغدو نقد الدين السابق “تخصصاً” قائماً بذاته. يصبح “فقها في كره الإسلام”.
الملاحظة نفسها تنطبق على المتحولين إلى المسيحية. أستغرب كيف يصبح المرء مسيحياً ثم يقضي أكثر من عقدين من عمره في برامج ومنشورات تتحدث فقط عن مساوئ الإسلام. “الأخ رشيد”، “الأب آدم الرباطي”… أخبرونا عن دينكم الجديد، عن تجربتكم الروحية، عن جمال الإيمان الذي اكتشفتموه. أو اعتزلوا الدنيا في دير أو أبرشية واستمتعوا بسلامكم. لكن أن يصبح شغلكم الشاغل سبَّ الإسلام و”تشرميل” المسلمين ومهاجمة فاعلين سياسيين (العدالة والتنمية والعدل والإحسان) وحتى من يعبرون عن تضامنهم مع غزة… فهذا ليس “فتحاً إيمانياً” ولا تحولاً روحياً. هذا شقاء إيماني وهوس.
لم أسمع، يوماً، “الحاج رشيد” ولا “الحاج آدم الرباطي” يسعيان إلى تبشير الناس بـ”الفتوحات الروحية” التي اكتشفوها في المسيحية، ولا تعريف “المؤمنين” بحلاوة الدين الجديد وتسامحه وأفضليته، ولم أسمع مرة واحدة “الحاج رشيد” يحاضر ويشرح معنى اللاهوت المسيحي. ولا يظهر أن ذلك يشغلهما. الهم الأساسي هو مهاجمة الإسلام، لا غير. هذا واضح وصريح.
الأمر لا يتعلق بحرية المعتقد. يحق لكل إنسان أن يعتقد ما يشاء، ولكن أن يحترم، كذلك، من يريد اعتقاد ما يشاء. لكن التحول الحقيقي يفترض أن يُنتج سلاماً داخلياً، لا أن يُنتج كرهاً يومياً لدين شعب بأكمله. الملحدون والمتحولون إلى المسيحية لا يقتربون من باقي الأديان، ولا يهتمون بها. يتخصصون في الإسلام فقط. وهذا التخصص الدقيق يكشف أن الأمر لا يعدو كونه تصفية حسابات شخصية، وكراهية لدين معين، ناتجة عن إخفاقات شخصية أو تجارب مريرة، ربما.
لا أبحث عن تصفية حسابات مع الأديان، وشتمها والتعريض بها صباح مساء. هذا تعبير عن كره وليس عن سلام داخلي.. أبحث عن قصص إنسانية حقيقية: كيف عاش الإنسان تحولَه؟ كيف شعر بالسكينة بعد الخروج؟ كيف أصبح أفضل؟
ما يثير اهتمامي: هي التجارب الروحية للبشر، كيف يعيدون بناء ذواتهم؟ كيف يعيشون إيمانهم الجديد أو لا إيمانهم؟ وأي معنى يمنحونه لهذا الانتقال؟
حتى الآن… لم أجدها.

