بقلم: عمر لبشيريت
مع كل مناسبة رياضية كبرى، مثل منافسات كأس العالم الجارية حاليا، يتكرر المشهد نفسه على منصات التواصل الاجتماعي. فجأة يخرج من يخبرنا بأن العرب يكرهوننا، والأفارقة يكرهوننا، والجيران يكرهوننا، وبأن العالم كله يتربص بنا ويحسدنا على نجاحاتنا. والأغرب أن هذا الخطاب لا يُقدَّم باعتباره مشكلة تستدعي التفكير، بل باعتباره مدعاة للفخر والاعتزاز.
لم يعد الأمر يتقصر على حالات منعزلة، بل تحول إلى اجتياح لهذه الذهنية لوسائل التواصل الاجتماعي.
أكثر من ذلك، استطبنا هذا الأمر، وأصبح يعجبنا، ونقنع أنفسنا أننا فعلا “مكروهين”. ونعتز بذلك، ونقدمه كإنجار.
هذا الاحتفاء بالمظلومية والكره قادم من ذهنية “التشرميل”، والأدق من ذهنية سجن”شعوبية” بأغانيها التي تمجد هذه “الثقافة” وتنتصر لسحق الحساد الذين يكرهوننا، وتعلي من شأن “الشخصية المكروهة”.
من الصعب فهم المنطق الذي يقف خلف هذه الفكرة. لماذا نبحث عن دور الشعب المكروه؟ ولماذا نصر على إقناع أنفسنا بأن الآخرين يضمرون لنا العداء؟ وما القيمة التي يمكن أن نجنيها من تحويل الكراهية المفترضة إلى وسام شرف؟
هذه الثقافة لا تجلب لنا سوى العداوات، وتدفع بنا نحو الانغلاق، وتحولنا تدريجيا إلى “جزيرة معزولة” كما يحلو للبعض أن يتخيلها. فبدل بناء جسور التواصل والاحترام المتبادل، يصبح الهاجس هو إثبات أن الجميع يكرهنا وأننا رغم ذلك منتصرون عليهم جميعاً.
وراء هذا الخطاب تختبئ ذهنية أعمق تجد بعض منابعها في ثقافة شعبوية تحتفي بالمظلومية والصدام أكثر مما تحتفي بالنجاح الحقيقي. ثقافة ترى في الحسد دليلاً على التفوق، وفي الكراهية علامة على القوة، وفي كثرة الخصوم برهانا على الأهمية. وهي الذهنية التي غذتها لسنوات بعض الأغاني والخطابات التي تمجد فكرة “العالم ضدنا”، وتجعل من العداء المفترض مصدراً للاعتزاز والافتخار.
المشكلة لا تكمن فقط في انتشار هذه الأفكار داخل الفضاء الرقمي، بل في كونها بدأت تجد من يروج لها ويمنحها شرعية فكرية. فبدل أن تقوم النخب الثقافية والإعلامية والأكاديمية بمساءلة هذه الخطابات ونقدها، أصبح بعض أفرادها يعيدون إنتاجها والدفاع عنها. والحال أن دور المثقف ليس الانخراط في الشعبوية الرقمية، بل تنقية النقاش العمومي من الأفكار التي تغذي الانغلاق والكراهية وتضخم الإحساس الجماعي بالمظلومية.
هكذا، أصبحت بعض “النخب” تتبع وتنقاد لذهنية التشرميل بمواقع التواصل. لقد أصبحت هذه الفئة من النخبة من أتباع الشاب بلال الذي أصبح بمثابة مرشدهم الإيديولوجي.
الأمم الواثقة من نفسها لا تقضي وقتها في عدّ خصومها أو البحث عمن يكرهها. إنها تنشغل بتطوير نفسها وتعزيز مكانتها وبناء صورة إيجابية عنها لدى الآخرين. أما الشعوب القلقة على صورتها، فهي التي تصبح مهووسة بنظرة الخارج إليها، فتفسر كل انتقاد على أنه مؤامرة، وكل منافسة على أنها حسد، وكل اختلاف في الرأي على أنه عداء.
والحال أن جزءاً من النقاش العمومي لدينا، خاصة في الفضاء الرقمي، يسير في هذا الاتجاه المقلق. فكل هزيمة للآخرين تصبح مناسبة للتشفي، وكل نجاح مغربي يتحول إلى دليل على أن العالم يحسدنا، وكل تعليق سلبي يصبح برهاناً جديداً على أن الجميع يكرهنا. وهكذا يتحول الشعور بالمظلومية إلى هوية جماعية، ويتحول البحث عن الاحترام إلى احتفاء بالكراهية.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحاً: كيف نريد أن ندافع عن مصالحنا وقضايانا في العالم إذا كنا نصر على تقديم أنفسنا باعتبارنا شعباً مكروهاً من الآخرين؟ وكيف نطلب من هؤلاء الآخرين الإنصات إلينا وتفهم مواقفنا ودعم قضايانا، ونحن نغذي باستمرار خطاباً قائماً على العداء والتوجس وسوء الظن بالآخر؟
ثم، لماذا لم نتساءل، يوما، عن هذا “الإجماع” الذي كوّناها ضدنا. ألا يعد، منطقيا، التساؤل إن كان كل هؤلاء الذين يكرهوننا “لم يجتمعوا على ضلالة”.
الحقيقة أبسط من كل ذلك. ليس مطلوباً أن يحبنا الجميع، كما أنه من الطبيعي أن توجد خلافات ومنافسات وحساسيات بين الشعوب. لكن تحويل فكرة “الجميع يكرهنا” إلى عقيدة جماعية لا يخدم صورة المغرب ولا مصالحه، بل يغذي الانغلاق ويعمق الإحساس بالعزلة ويشجع على النظر إلى العالم من زاوية الشك والعداء.
إن قوة أي شعب لا تقاس بعدد من يكرهونه، بل بعدد من يحترمونه. ولا تُبنى المكانة الحقيقية على التشفّي في الآخرين أو افتعال الخصومات معهم، بل على القدرة على الإقناع والتأثير وبناء العلاقات. أما تحويل الكراهية إلى مصدر للفخر، فلن يكون سوى وصفة لإنتاج مزيد من العزلة في عالم أصبح النجاح فيه رهيناً بالانفتاح أكثر من أي وقت مضى.

