بقلم: محمد حفيظ
انتهت عطلة عيد الأضحى، وعاد المسافرون إلى بيوتهم، واستأنف الناس حياتهم المعتادة بعيدا عن أجواء المناسبة التي اعتاد المغاربة أن ينشغلوا بها قبل أسابيع من العيد، ويزداد انشغالهم كلما اقترب يوم العاشر من ذي الحجة.
سيترك الناس أجواء العيد وراءهم، لكن آثاره، ولا سيما آثار هذا العيد، ستظل حاضرة في الأذهان، تُذَكِّرهم بما تكبدوه في سبيل أداء شعيرة دينية.
لذلك، لن يُطوى “ملف عيد الأضحى” بانتهاء العطلة، ولا ينبغي أن يُغلق من دون مساءلة ومحاسبة؛ فما جرى يفرض التوقف عنده بما يستحق من نقاش وتقييم.
صحيح أن المغاربة كانوا يتحدثون كل عام عن الظروف المحيطة بالعيد؛ يتبادلون المعلومات حول أثمنة الخرفان، ويتناقلون أخبار الأسواق. بل إن سؤالا بسيطا كان يكفي لاستطلاع أحوال السوق من دون انتظار تصريح وزير أو رئيس حكومة. فما إن يظهر خروف على عربة أو سيارة نقل أو “تريبورطور”، حتى يُسأل صاحبه: “بشحال ذاك المبارك؟”. وكان السؤال يتردد في الطرقات والأسواق، فيتحول تبادل المعلومات حول ثمن “الحولي” إلى واحد من طقوس “العيد الكبير”.
وصحيح أيضاً أن المغاربة كانوا يشتكون من الغلاء، ويجهرون بانتقاد ارتفاع الأسعار في هذا السوق أو تلك “الرحبة”. ومع ذلك، كانت المناسبة تمر بطقوسها المعتادة، من الاستعداد للأضحية إلى الذبح وما يليه من لقاءات وولائم، ثم يعود الناس إلى إيقاع حياتهم اليومي.
غير أن هذا العام مختلف. فلم يشهد المغرب عيدا كهذا من قبل. فحتى في سنوات الجفاف القاسية، وفي ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وحتى عندما كان البلد مهددا بـ”السكتة القلبية” التي حذر منها الملك الراحل الحسن الثاني، لم يعش المغاربة ما عاشوه في هذا العيد.
إنه العيد الذي حل في ظل برنامج الدعم الذي تباهت به الحكومة، وقدمته منذ سنتين باعتباره الوصفة الكفيلة بتوفير أكباش العيد، ومواجهة ارتفاع أسعارها وأسعار اللحوم الحمراء، والحد من تراجع القطيع الوطني.
غير أن ما كشفته الوقائع في الأسواق كان مختلفا تماما؛ إذ بدا أن هذا الدعم انتهى إلى “عدم” من حيث نتائجه الملموسة على المواطن.
وهو الدعم الذي أثار وما يزال يثير جدلا واسعا، بعدما شمل إعانات مالية مباشرة عن كل رأس غنم مستورد، إلى جانب إعفاءات جمركية وضريبية، من دون أن ينعكس ذلك على الأسعار. بل إن موجة الغلاء واصلت تصاعدها بوتيرة غير مسبوقة. ومن ثم، فمن حق المغاربة أن يسائلوا من كان وراء صرف هذه الأموال، وأن يطالبوا بمحاسبة المستفيدين منها الذين استعملوها وسيلة للاغتناء على حساب المال العام. لذلك، يجب ألا يُطوى هذا الملف دون حساب.
لقد بررت الحكومة صرف هذه الأموال لفائدة “تجار الاستيراد” بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: حماية القدرة الشرائية للمواطنين في مواجهة ارتفاع أسعار الأضاحي، وضمان وفرة العرض بعد تراجع القطيع الوطني بسبب الجفاف وارتفاع كلفة التربية والأعلاف، ثم الحد من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.
لكن ما أظهرته الأسواق ومحلات الجزارة خلال السنوات الثلاث الماضية هو أن هذه الأهداف المعلنة لم تتحقق. وإذا كان المغاربة يتحملون آثار الغلاء طوال السنة، فإن عيد الأضحى، بحساسيته الدينية والاجتماعية، كشف بوضوح حصيلة هذه السياسة ونتائجها الفعلية.
لقد اختارت الحكومة التدخل عبر “دعم العرض” بهدف “دعم المستهلك”. غير أن النتائج على أرض الواقع أثبتت أن هذا الاختيار لم يحقق لا دعم العرض ولا دعم المستهلك. والحال أن نجاح أي سياسة من هذا النوع يظل هو أثرها على المواطن في نهاية المطاف. وهنا، تبرز المفارقة: فمع صرف الحكومة لكل مبالغ الدعم، لم يشعر أغلب المغاربة بانخفاض ملموس في الأسعار، وظلت اللحوم الحمراء بعيدة عن متناول شرائح واسعة من الأسر، فيما كشف ثمن الأضاحي هذا العام حدود هذه المقاربة وفشلها في تحقيق أهدافها المعلنة.
فمن الناحية النظرية، كان يُفترض أن يؤدي دعم الاستيراد والإعفاء من الرسوم الجمركية والضرائب، إلى جانب توفير عرض إضافي من الأغنام والأبقار، إلى تخفيف الأسعار أو على الأقل الحد من استمرار ارتفاعها. لكن ما حدث عملياً هو العكس؛ إذ ظلت أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة، وبقيت الأضاحي في مستويات تفوق قدرة أغلب الأسر على التحمل.
والسؤال البسيط الذي ظل يتردد طوال هذه السنوات، واشتد حضوره خلال هذا العيد، هو: إذا كانت الحكومة قد دعمت الاستيراد بمئات الملايين من أموال المواطنين، فلماذا لم ينعكس ذلك بوضوح على المواطنين؟
إن ما جرى، بالنظر إلى نتائجه وكيفية تدبيره، لا يبدو مجرد فشل في تحقيق الأهداف المعلنة، بل يطرح شبهة تبديد المال العام وتعريضه للنهب. وإذا كانت من حسنة لهذا “العيد الكبير” فإنه وضع هذه القضية تحت الضوء، وجعلها موضوعا لنقاش عمومي كبير.
وما كشفه هذا الملف يشبه ما يثار بشأن أشكال أخرى من الدعم العمومي في قطاعات حيوية مختلفة، كالعقار والصحة وغيرهما؛ إذ إن المستفيد الأكبر لم يكن المواطن، بل الفاعلون الاقتصاديون الذين تلقوا الدعم. وهكذا، تحول ما كان يُفترض أن يكون أداة لحماية القدرة الشرائية إلى مصدر أرباح لفئات محدودة، من دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
إن الدعم، بصيغته التي اعتمدتها الحكومة، لم يكن موجها إلى الأسعار مباشرة، بل إلى الاستيراد. فقد تحملت المالية العامة جزءا من التكاليف ومنحت مبالغ مهمة للمستوردين، من دون أن تضع، في المقابل، آليات فعالة لضمان انتقال أثر هذا الدعم إلى المستهلك. فلا تسقيف للأسعار، ولا التزام ببيع الأغنام أو اللحوم ضمن سقوف محددة، ولا إجراءات رقابية كافية للتأكد من وصول المنفعة إلى المواطن.
فكيف يستقيم أن تتحمل الدولة جزءا من التكاليف وتوزع المال العام على من حظوا بذلك، دون أن تراقب أثره، وتضمن أن تعود فائدة ذلك على المواطن صاحب المال الذي ائتمنها على تدبيره؟
لقد تجاوز الملف حدود تدبير آثار الجفاف أو مواجهة ارتفاع أسعار اللحوم أو توفير أكباش العيد، إلى قضية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة وذوي المصالح الاقتصادية والمالية، حيث يُطرح السؤال حول مدى قدرة الدولة على حماية المصلحة العامة ومنع تحول الدعم إلى ريع يستفيد منه النافذون في مجال المال والأعمال والسياسة على حساب المجتمع.
نعم، يصعب أن يُطوى هذا الملف بمجرد انتهاء عيد الأضحى، لأن ما ظهر بمناسبة العيد ليس حدثا معزولا، بل هو مؤشر على اختلالات أعمق، ليس فقط في قطاع تربية الماشية وسوق اللحوم والسياسات الفلاحية عموما، بل في سياسة الدعم نفسها التي انحرفت عن الأهداف المرجوة منها، وأصبحت وسيلة للاغتناء السريع وتضخيم ثروات المستفيدين منها في مقابل تفقير عموم المواطنين وإنهاك المالية العامة.
إن أي دعم لا يحقق أثرا ملموسا على الأسعار أو على استقرار السوق يضع مبرراته الاقتصادية والاجتماعية موضع تساؤل. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل من المجدي الاستمرار في سياسات دعم تُموَّل من المال العام من دون أن تظهر نتائجها بوضوح على المواطنين؟
وهذا هو جوهر النقاش كله: هل يصبح الدعم العمومي مبرَّرا فقط لأنه “تدخل من الدولة”؟ أم أن الحكم عليه يجب أن يستند إلى نتائجه الفعلية في السوق وعلى القدرة الشرائية للمواطنين؟
من الناحية الاقتصادية، قد لا يكون هناك خلاف حول مبدأ الدعم في حد ذاته. فالدول تتدخل لحماية أمنها الغذائي، أو لتفادي الارتفاع الحاد للأسعار، أو للحفاظ على قطاعات استراتيجية. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول الدعم إلى عبء كبير على المالية العامة، ويُدبَّر دون شفافية كافية، ويُوَجَّه إلى “مستفيدين” بعينهم، ويكون دون أثر واضح على السوق أو على القدرة الشرائية. وهنا يفقد الدعم مشروعيته الاجتماعية والسياسية.
وعندما يكون المستفيد المباشر من الدعم هو المستورد أو الفاعل الاقتصادي الكبير، بينما لا يلمس المواطن تحسنا ملموسا في الأسعار أو في قدرته الشرائية، فإن الدولة حينها لا تدعم السوق أو القطاع المعني، وإنما تدعم فاعلين بعينهم.
إن المال العمومي “ماشي مال سايب”. وهو ليس موردا بلا حدود، خصوصا في بلدنا الذي يواجه ضغوطا اجتماعية متزايدة، ويعاني من اختلالات كبيرة في التعليم والصحة والشغل والسكن… لذلك، يصبح من الضروري أن يكون أي دعم موجها بشكل دقيق، وخاضعا للشفافية والمحاسبة، وقائما على أثر حقيقي يمكن للمواطن أن يراه ويلمسه، لا أن يسمعه فقط في تصريحات رسمية تتناقض مضامينها وأرقامها بين عشية وضحاها.
إن النتائج تؤكد أن سياسة الدعم لم تحقق الأهداف التي رُوِّج لها في الخطاب الرسمي. وتتفاقم أزمة هذه النتائج عندما يغيب التقييم الدقيق للأثر الحقيقي لهذا الدعم، وتضعف الشفافية بشأن المستفيدين منه، ومعايير الاستفادة، وحجم الامتيازات الممنوحة… عندها، يتعزز الشعور بأن الدعم يخدم مصالح خاصة أكثر مما يخدم المصلحة العامة، ويتحول من أداة اقتصادية إلى قضية سياسية بامتياز.
وبهذه الممارسة، تتحول الدولة من مدبر لشؤون البلاد والعباد وراعية للمصلحة العامة إلى شركة لتأمين مخاطر فاعلين نافذين؛ توظف مواردها لدعمهم، وتجند مؤسساتها لخدمتهم، وتسهر على حماية مصالحهم، وتغدق عليهم من المال العمومي.
وهذا أكبر خطر يمكن أن يهدد أي دولة، عندما يقفد مواطنوها الثقة فيها.
كشف صلاح الدين المانوزي، أسباب عدم تزكيته من طرف قيادة الاتحاد الاشتراكي، للمرة الثانية على…
شهدت اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمدينة تمارة تطورا لافتا بإعلان أربعة أعضاء ممثلين…
انتقد الباحث والمحلل السياسي التونسي ومدير مركز جنيف للسياسة العربية سامي الجلولي، ما وصفه بالحملات…
في تحول لافت على خريطة السفر لدى سكان مقاطعة كيبيك الكندية، أصبح المغرب الوجهة الدولية…
أنهت دول رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” مفاوضات اتفاق إطار الاقتصاد الرقمي، في خطوة…
بقلم: يوسف اغويركات لما كنتُ طالبا في الجامعة، وفي خضم معارك الحركة الطلابية وساحات النضال…
This website uses cookies.