الرئيسي

هَلْ تَكْفِي الرَّسَائِلُ لِتَغْيِيرِ السِّيَاسَاتِ؟

بقلم: يوسف اغويركات

أثارت الرسائل المفتوحة الموجهة إلى جلالة الملك، سواء من قبل شباب “جيل ولي العهد” أو من طرف فاعلين مدنيين وسياسيين، نقاشا واسعا حول مشروعية مخاطبة رأس الدولة بشكل مباشر، وحول حدود اللياقة السياسية، ودور المؤسسات، ومكانة الوساطة في النظام السياسي المغربي. وقد تباينت المواقف بين من اعتبر هذه المبادرات تعبيرا عن وعي مدني جديد، ومن رأى فيها اختزالا للمسار الديمقراطي وتجاوزا لأدوات الحوار المؤسساتي.
إن التقدير لمخاطبة الملك لا ينبغي أن يُفهم كرفض لهذا الشكل من التعبير، بل كدعوة إلى تأطيره ضمن رؤية استراتيجية أوسع، تحول الحماس المشروع إلى إصلاح ملموس ومستدام. فالمسألة لا تتعلق بشرعية المخاطبة في حد ذاتها، بل بمدى قدرتها على أن تكون مدخلا لحوار وطني جامع، لا مجرد ضغط رمزي أو التفاف على المؤسسات.
لقد سبق لي، في سياقات سابقة، أن شاركت في مبادرات مشابهة، منها العريضة التي وُجهت سنة 2020 إلى جلالة الملك للمطالبة بالعفو عن معتقلي حراك الريف، والتي وقعها عشرات الفاعلين من مشارب فكرية وسياسية وحقوقية وفنية متعددة. وقد لاحظت حينها أن بعض المترددين لم يرفضوا المطلب في جوهره، بل تحفظوا على استخدام عبارة “جلالة الملك” في نص العريضة، وهو ما يعكس تباينا في التصورات حول طبيعة العلاقة مع المؤسسة الملكية، ويطرح تساؤلات حول كيفية مخاطبتها ومدى الانسجام بين المطالب الإصلاحية وشكل الخطاب الموجه لرأس الدولة. علما أن جلالة الملك، وفقا للدستور والقانون، هو الجهة الوحيدة المخوّلة إصدار العفو، ما يجعل توجيه الطلب إليه أمرا منطقيا وضروريا في هذا السياق.
من هنا، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يختزل في ثنائية “مع أو ضد” مخاطبة الملك، بل في سؤال أعمق: كيف نحول هذه المبادرات إلى رافعة لإصلاح سياسي ومؤسساتي حقيقي؟ كيف نضمن أن لا تبقى الرسائل مجرد لحظات رمزية، بل تتحول إلى مسارات تشاورية تفضي إلى سياسات عمومية أكثر عدالة ونجاعة؟
إن التحدي الأكبر اليوم ليس في من يكتب الرسائل، بل في من يصوغ الأجوبة. فالمغرب في حاجة إلى تعاقد وطني جديد، يعيد ترتيب الأولويات، ويفعل مقتضيات الدستور، ويعلي من شأن الحوار العمومي كأداة للتقويم والتوجيه، لا كبديل عن المؤسسات. وهذا يقتضي من الجميع، دولة ومجتمعا، نخبا وشبابا، أن يلتقوا على أرضية فكرية مشتركة، تُوازن بين الجرأة والحكمة، بين النقد والاقتراح، بين المبادرة الفردية والتفكير الجماعي.
إننا في لحظة دقيقة، تتطلب من كل وطني غيور أن يساهم في تحويل الأزمة إلى فرصة أخلاقية كبرى، لا أن ينخرط في سجالات تضعف الثقة وتشتت الجهود. فالمطلوب اليوم ليس فقط رفع الصوت، بل بناء المعنى. ليس فقط مخاطبة رأس الدولة، بل مخاطبة ضمير المجتمع، واستنهاض طاقاته في أفق إصلاح شامل، لا يستثني أحدا، ولا يُقصي أحدا.
بهذا المعنى، فإن الرسائل المفتوحة، مهما اختلفنا حول توقيتها أو صيغتها، تظل جزءا من دينامية مدنية مشروعة، لكنها لن تثمر إلا إذا اندرجت ضمن رؤية أوسع، تعيد الاعتبار للفضاء العمومي، وترسخ ثقافة الحوار، وتعلي من شأن التشاركية في صناعة القرار.

Shortened URL
https://safircom.com/q9rv
سفيركم

Recent Posts

مجلس “اعمارة” يدعو إلى إصلاح عاجل لمنظومة التكوين المستمر في القطاع الخاص

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إصلاح استعجالي لمنظومة التكوين المستمر في القطاع الخاص، بعدما…

12 دقيقة ago

الملكية البرلمانية.. تحالف اليسار يكشف ميثاقه السياسي ويرفع سقف المواجهة مع اقتصاد الريع

أعلن كل من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، صباح الأربعاء 3 يونيو بالدار…

27 دقيقة ago

المفوضية الأوروبية تدفع شنغن نحو حدود أقل تشددا

دعت المفوضية الأوروبية تسع دول أوروبية إلى الشروع في الإلغاء التدريجي لإجراءات المراقبة على الحدود…

42 دقيقة ago

مبادرة مغربية تحول فائض الطعام إلى دعم للفئات الهشة

تسعى مبادرة “كول اللي بغيتي” إلى تقليص هدر الطعام في المغرب، عبر تحويل الفائض الغذائي…

ساعة واحدة ago

المغرب وفلاندرز البلجيكية.. شراكة موانئ وأسواق واعدة

أبرز لقاء نظمته جمعية “أصدقاء المغرب” في مدينة أنتويرب البلجيكية، قوة علاقات المغرب وفلاندرز، ومسارها…

ساعتين ago

أكثر من 60 مدينة مغربية تخرج من دائرة الصفيح

كشفت الحكومة عن تسريع وتيرة معالجة السكن الصفيحي بالمغرب، بعدما أعلنت أن 62 مدينة ومركزا…

ساعتين ago

This website uses cookies.