أعادت نتائج الانتقاء الأولي لمباريات توظيف الدكاترة بوزارة التربية الوطنية، خاصة بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمراكش شعبة الدراسات الإسلامية، الجدل من جديد حول مدى احترام مبدأي الشفافية وتكافؤ الفرص، بعد بروز أسماء وُصفت من قبل مهتمين بأنها محسوبة على حزب العدالة والتنمية ضمن لائحة المنتقين.
وبحسب ما تداوله متابعون للملف، فإن من بين الأسماء التي أثارت الاستغراب رئيس مقاطعة كليز بمراكش، الذي راجت أنباء حول حصوله على وعد بالمنصب قبل الإعلان عن المباراة، كما أشاروا إلى أن رئاسة لجنة الانتقاء أوكلت إلى أستاذ من شعبة اللغة العربية، لا من شعبة الدراسات الإسلامية، وهو ما اعتُبر من طرفهم “إقصاءً لأصحاب التخصص” و”محاولة لتفادي الشبهات المرتبطة بترشيح مقربين”.
ويرى عدد من المتابعين أن ما جرى يمثل استمرارا لما وصفوه بـ”المحسوبية والزبونية”، معتبرين أن الولاءات الحزبية ما تزال تتغلب على معايير الكفاءة والجدارة العلمية، هذا الوضع، حسب قولهم، خلق موجة استياء واسعة وسط دكاترة يرون أنفسهم أصحاب ملفات علمية وازنة تنتظر إنصافا وتكافؤ فرص “مغيب” عن عدد من هذه المباريات.
في هذا السياق، أوضح الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية العامة للشغل، ربيع الكرعي في تصريح لـ”سفيركم”، أن دكاترة وزارة التربية الوطنية لطالما كانوا الفئة الأكثر تضررا من سياسات وصفها بـ”الترقيعية” وقرارات غير منصفة، وأضاف أن الوزارة، في محاولة لمعالجة الملف، خصصت 600 منصب سنويا ابتداء من سنة 2024 وعلى مدى ثلاث سنوات، وهو رقم اعتبره “هزيلا” بالنظر إلى الخصاص الذي يتجاوز 3000 دكتور داخل القطاع.
كما لفت إلى أن الوزارة لم تفِ بعدد من التزاماتها السابقة، بينها اتفاق 2011، ثم الاتفاق الموقع في عهد الوزير سعيد أمزازي القاضي بإنشاء إطار “أستاذ باحث” على غرار ما هو معمول به في الجامعات.
وأكد الكرعي أن هذه المناصب المعلن عنها غالبا ما تتحول، حسب تعبيره، إلى “غنيمة يتقاسمها المحسوبون على الولاءات الحزبية والشبكات الزبونية”، مستشهدا بما وقع في مباريات المراكز الجهوية، وخاصة بمراكش شعبة الدراسات الإسلامية، حيث سُجل، وفق تعبيره، “اكتساح أسماء محسوبة على حزب العدالة والتنمية، من ضمنها رئيس مقاطعة كليز”.
وأضاف أن من “المفارقات المثيرة” أن رئيس لجنة الانتقاء لا ينتمي إلى تخصص الدراسات الإسلامية، بل إلى اللغة العربية، لافتا إلى أن هذه الخطوة فُسرت كـ”محاولة لضمان منصب لابنه بعيدا عن الشبهات”، وهو ما اعتُبر “إقصاء ممنهجا” لأصحاب التخصص الحقيقيين.
وشدد المسؤول النقابي على أن ما يجري لا يمثل فقط إخلالاً بمبدأ الشفافية، بل يكشف أيضا عن غياب إرادة حقيقية للاستفادة من الكفاءات البحثية التي يزخر بها قطاع التربية الوطنية، مؤكدا أن شهادة الدكتوراه، باعتبارها أعلى شهادة أكاديمية، ينبغي أن تُوظف في البحث العلمي والإصلاح التربوي، لا أن تبقى رهينة حسابات حزبية وانتخابية ضيقة.
واعتبر الكرعي أن المطلب الجوهري اليوم لم يعد يتجسد في مباريات “شكلية” تتحكم فيها الولاءات، بل في إقرار إطار “أستاذ باحث” يُنصف هذه الفئة ويفتح أمامها آفاقا أوسع للمساهمة في تطوير البحث العلمي والتكوين، على غرار التجارب الدولية التي تجعل من التعليم قاطرة للتنمية.
وخلص إلى أن إصلاح التعليم، في نظره، لن يتحقق عبر الشعارات أو توزيع المناصب وفق الولاءات، وإنما عبر جعل الكفاءة والاستحقاق المعيار الأوحد، متسائلا: “إلى متى ستظل مباريات التوظيف رهينة المحسوبية؟ وإلى متى ستستمر الوزارة في انتهاج سياسات ترقيعية بدل إنصاف الدكاترة والاستفادة من خبراتهم؟

