وضع التقرير الختامي للقاء الوطني حول “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”. المنظم من طرف رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي. (وضع) تطوير منظومة الأبحاث المالية الموازية في صدارة أولوياته. داعيا إلى تعزيز قدرات قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في تتبع العائدات الإجرامية. والجرائم المالية العابرة للحدود، والعمولات الرقمية. بما يواكب التحولات التي تعرفها الجريمة الاقتصادية ويعزز فعالية البحث الجنائي في كشف مسارات الأموال غير المشروعة.
وأكد التقرير أن مواجهة الجرائم ذات البعد المالي لم تعد تقتصر على البحث في الأفعال الإجرامية. بل أصبحت تفرض موازاة ذلك إجراء أبحاث مالية متخصصة تستهدف تعقب الأموال والعائدات الإجرامية. باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للسياسة الجنائية الحديثة. وهو ما استدعى تخصيص محور كامل من التوصيات لتطوير هذا الورش.
وفي هذا الإطار، دعا التقرير إلى تعزيز التكوين المستمر لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في مجال الأبحاث المالية الموازية. مع التركيز على تقنيات تتبع العائدات الإجرامية، والتعامل مع العملات الرقمية. ورصد مسارات الأموال العابرة للحدود، بالنظر إلى التعقيد المتزايد الذي باتت تطرحه الجرائم المالية المنظمة.
ولضمان توحيد الممارسة، أوصى التقرير بوضع ضوابط استرشادية عملية تحدد الحالات التي تستوجب الأمر بإجراء بحث مالي مواز. بما يحقق التوازن بين متطلبات مكافحة الجرائم ذات العائدات المالية وضرورة احترام الحقوق والحريات. وصيانة حقوق الأغيار حسني النية، بما يمنع أي توسع غير مبرر في مباشرة هذه الأبحاث.
كما شدد على ضرورة اعتماد نموذج موحد لمحاضر الأبحاث المالية الموازية. سواء من حيث الشكل أو البيانات والمضامين التي ينبغي أن تتضمنها، بما يضمن توحيد منهجية العمل بين مختلف النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية. ويسهل تتبع الإجراءات ومراقبتها.
وفي سياق تطوير وسائل التتبع، أوصى التقرير بإحداث نظام وطني موحد لتعريف وتتبع الأموال موضوع الأبحاث المالية الموازية. بما يسمح بحصر الأموال محل البحث ومواكبة وضعيتها منذ بداية المسطرة إلى نهايتها. ويحد من تشتت المعطيات بين مختلف الجهات المتدخلة.
ودعا التقرير أيضا إلى إرساء آلية موحدة لجرد الأموال والممتلكات وتتبعها عبر جميع مراحل الدعوى العمومية. ابتداء من اكتشافها وحجزها أو تجميدها، وصولا إلى مرحلة المصادرة أو الرد أو أي تصرف قانوني آخر. بما يضمن الحفاظ على سلامة الإجراءات وعلى الحقوق المرتبطة بهذه الأموال.
وأولى التقرير أهمية خاصة لتعزيز التنسيق مع المؤسسات البنكية والمالية والهيئة الوطنية للمعلومات المالية وباقي المؤسسات المعنية. من أجل تسريع الحصول على المعلومات الضرورية المرتبطة بالحسابات والأصول المالية قبل تهريب الأموال أو إخفائها أو التصرف فيها. بما يرفع من فعالية الأبحاث ويقلص فرص الإفلات من المتابعة.
وفي السياق ذاته، أوصى بإشراك الممثلين القانونيين للمؤسسات البنكية والمالية في اجتماعات لجان التنسيق الجهوية والمحلية. حتى يتم التداول بشكل مباشر في الإشكالات العملية التي تعترض تنفيذ الأبحاث المالية الموازية. والبحث عن حلول مشتركة لتجاوزها.
كما دعا التقرير إلى إيجاد صيغ عملية لحث المؤسسات البنكية والمالية على التعجيل بتنفيذ الأوامر القضائية المتعلقة بحجز الحسابات البنكية أو تجميدها. محذرا من أن أي تأخير في تنفيذ هذه الإجراءات قد يؤدي إلى تهريب الأموال أو التصرف فيها. بما ينعكس سلبا على نتائج البحث الجنائي.
وفي مقابل التشديد على ضرورة الرفع من فعالية الحجز والتجميد. أكد التقرير ضرورة اعتماد مقاربة دقيقة عند مباشرة هذه التدابير، تقوم على حصر الأموال والممتلكات التي يشتبه في ارتباطها بالجريمة فقط. مع تفادي المساس بالأموال التي لا علاقة لها بالأفعال موضوع البحث، أو بحقوق الأغيار حسني النية. بما يضمن التوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة وحماية الحقوق.
كما أوصى بوضع توجيهات عملية واضحة لتدبير الأموال والممتلكات المحجوزة أو المجمدة. خاصة عندما يتعلق الأمر بمقاولات أو أصول اقتصادية منتجة، بما يضمن المحافظة على قيمتها واستمرار نشاطها كلما أمكن. وتفادي الإضرار غير المبرر بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.
وامتدت التوصيات إلى الجانب الدولي، حيث دعا التقرير إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الأبحاث المالية. ولا سيما في ما يتعلق بالأموال العابرة للحدود، والعملات الرقمية، والمنصات الإلكترونية، والمحافظ المشفرة. مع البحث عن آليات عملية تتيح الحصول السريع على المعطيات المالية الضرورية. بما يواكب الطابع العابر للحدود الذي أصبحت تتسم به العديد من الجرائم المالية.
وأشار التقرير إلى أن فعالية الأبحاث المالية الموازية أصبحت رهينة بوجود تنسيق مؤسساتي محكم. وتأهيل مستمر للموارد البشرية، واعتماد أدوات تقنية وإجرائية موحدة. بما يمكن من تعقب الأموال الإجرامية بكفاءة. وتعزيز قدرة السلطات القضائية والأمنية على مكافحة غسل الأموال والجرائم الاقتصادية المنظمة.
وشدد التقرير على أن تطوير منظومة الأبحاث المالية الموازية يمثل أحد أبرز رهانات تنزيل مستجدات قانون المسطرة الجنائية. باعتباره مدخلا لتعزيز نجاعة العدالة الجنائية، وتجفيف منابع الجريمة المنظمة. وحماية الاقتصاد الوطني، مع ضمان احترام الحقوق والحريات والضمانات القانونية في مختلف مراحل البحث والتتبع.

