نشرت الجريدة الرسمية القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، في خطوة تستكمل تنزيل مقتضيات دستور 2011. ولا سيما الفصل 133 الذي أقر حق المتقاضين في الدفع بعدم دستورية القوانين التي يراد تطبيقها عليهم إذا اعتبروا أنها تمس بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
ويحدد القانون التنظيمي المسطرة التي يتعين اتباعها لإثارة الدفع بعدم الدستورية، سواء أمام محاكم المملكة أو، في حالات محددة، أمام المحكمة الدستورية بمناسبة البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان. واضعًا بذلك إطارًا قانونيًا يتيح للأفراد المشاركة في الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين.
من يحق له إثارة الدفع؟
وينص القانون على أن الدفع بعدم الدستورية يمكن أن يثيره أحد أطراف الدعوى عندما يكون هناك مقتضى تشريعي ساري المفعول يراد تطبيقه في القضية. ويرى أن تطبيقه سيؤدي إلى المساس بحق أو بحرية يضمنها الدستور. ولا يجوز للمحكمة أن تثير هذا الدفع من تلقاء نفسها، بل يبقى حقًا حصريًا لأطراف النزاع.
كما اشترط القانون تقديم الدفع في مذكرة كتابية مستقلة، موقعة من محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، مع أداء الرسم القضائي. باستثناء الحالات التي ينص فيها القانون على الإعفاء أو الاستفادة من المساعدة القضائية.
مسطرة تمر عبر محكمة النقض
واعتمد المشرع نظامًا يقوم على مرحلتين قبل الوصول إلى المحكمة الدستورية. ففي المرحلة الأولى، تتحقق المحكمة المعروض عليها النزاع من استيفاء المذكرة للشروط الشكلية، قبل إحالتها إلى محكمة النقض.
أما محكمة النقض، فتتولى فحص شرطين أساسيين، هما وجود صلة مباشرة بين النص المطعون فيه والحق أو الحرية المدعى انتهاكها. وألا تكون المحكمة الدستورية قد سبق أن حسمت في دستورية المقتضى نفسه. إلا إذا تغيرت الأسس التي بني عليها قرارها السابق.
وفي حال استيفاء هذه الشروط، تحيل محكمة النقض الملف إلى المحكمة الدستورية للبت فيه.
إيقاف الدعوى الأصلية
ويرتب تقديم الدفع، من حيث المبدأ، إيقاف البت في الدعوى الأصلية إلى حين انتهاء مسطرة الرقابة الدستورية. غير أن القانون استثنى من ذلك بعض الحالات. من بينها إجراءات التحقيق، والتدابير الوقتية أو التحفظية، والقضايا التي تتعلق بتدابير سالبة للحرية، والدعاوى التي يفرض القانون البت فيها داخل آجال محددة أو على وجه الاستعجال. إضافة إلى الحالات التي قد يؤدي فيها وقف الدعوى إلى إلحاق ضرر يتعذر إصلاحه.
أجل 90 يومًا للبت
وألزم القانون المحكمة الدستورية بالبت في الدفع داخل أجل أقصاه تسعون يومًا من تاريخ توصلها بالملف. بعد تمكين رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان والأطراف المعنية من تقديم ملاحظاتهم الكتابية.
كما منح المحكمة صلاحية ضم الدفوع المتعلقة بالمقتضى التشريعي نفسه أو بمقتضيات مرتبطة به. إذا رأت أن ذلك يحقق حسن سير العدالة الدستورية.
آثار الحكم بعدم الدستورية
وإذا قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مقتضى تشريعي، فإن هذا المقتضى ينسخ ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة في قرارها، وفق ما ينص عليه الفصل 134 من الدستور.
كما ينص القانون على نشر قرارات المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية فور صدورها. مع إمكانية نشرها على الموقع الإلكتروني للمحكمة. وإبلاغها إلى الملك ورئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان عندما يتعلق الأمر بالتصريح بعدم دستورية نص تشريعي.
وفي المقابل، أكد القانون أن التصريح بعدم الدستورية لا يرتب مسؤولية الدولة عن تطبيق النص قبل تاريخ نسخه. مع إتاحة إمكانية ترتيب الآثار القانونية على الأحكام النهائية التي استندت إلى المقتضى الملغى في الحالات التي يحددها القانون.
دخول مؤجل حيز التنفيذ
ورغم نشره في الجريدة الرسمية، فإن القانون التنظيمي لن يدخل حيز التنفيذ مباشرة، إذ نصت المادة الأخيرة على سريان أحكامه بعد انقضاء أجل أربعة وعشرين شهرًا من تاريخ نشره. وهو ما يمنح المؤسسات القضائية والإدارية الوقت الكافي لاستكمال الاستعدادات التنظيمية والتقنية. بما في ذلك اعتماد آليات التبادل الإلكتروني للمذكرات والوثائق، وتكييف المساطر القضائية مع هذا الورش الدستوري الجديد.
ويعد هذا القانون أحد أبرز النصوص التنظيمية المرتبطة بدستور 2011، بالنظر إلى كونه يكرس لأول مرة في المغرب آلية الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين بمبادرة من المتقاضين. بما يعزز حماية الحقوق والحريات، ويمنح القضاء الدستوري دورًا أكبر في مراقبة مطابقة التشريعات للدستور أثناء تطبيقها.
لماذا تأخر إخراج هذا القانون؟
يعد القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين من آخر القوانين التنظيمية الكبرى المرتبطة بتنزيل دستور 2011، بعدما استغرق إعداده واعتماده نحو خمسة عشر عامًا. ويعزو متابعون هذا التأخر إلى الطابع غير المسبوق لهذه الآلية في المنظومة القانونية المغربية، وما تقتضيه من ملاءمة بين اختصاصات المحاكم العادية ومحكمة النقض والمحكمة الدستورية، فضلاً عن الحاجة إلى وضع ضوابط تضمن عدم تحول الدفع بعدم الدستورية إلى وسيلة لإطالة أمد التقاضي أو تعطيل سير الدعاوى. وفي المقابل، ينظر إلى دخول هذا القانون حيز التطبيق باعتباره نقلة نوعية في تعزيز الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، إذ يمنح المتقاضين لأول مرة وسيلة مباشرة للطعن في النصوص التشريعية التي يرون أنها تمس بحقوقهم وحرياتهم الدستورية، بما يعزز مكانة الدستور باعتباره المرجع الأسمى للمنظومة القانونية، ويكرس دور القضاء الدستوري في حماية الحقوق والحريات أثناء تطبيق القوانين، وليس فقط قبل صدورها.








