اعتبر رشيد آيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة. أن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لا يهدف إلى تعزيز استقلالية المهنة وحصانة الدفاع كما تعلن الحكومة. وإنما يسعى إلى إخضاع المحاماة وتقليص دورها في محاسبة الدولة وفضح الانتهاكات. معتبرا أن الرسالة التي يحملها المشروع هي أن “المحاماة لا يمكنها أن تظل كما كانت، بل يجب أن تخضع وتدخل الصف”.
وجاء ذلك خلال مداخلته في اللقاء الدراسي الذي نظمه المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان. السبت 18 يوليوز 2026، بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس الجمعية. حيث حملت مداخلته عنوان: “القانون 66.23: تعزيز لاستقلالية المحاماة وحصانة الدفاع أم النزوع نحو التحكم في صوت المحاماة؟”.
وقال آيت بلعربي إن المحاماة، بحكم استقلاليتها، ظلت لعقود تمارس دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون. وتواجه مختلف أشكال التسلط والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. معتبرا أن المشروع الجديد يروم الحد من هذا الدور عبر تقليص استقلالية المهنة وإحكام رقابة وزارة العدل على مختلف تفاصيل تدبيرها.
وأوضح أن المشروع لم يعد يقتصر على تنظيم الولوج إلى المهنة، كما كان عليه الأمر في القوانين السابقة. بل وسع نطاق تدخل السلطة التنفيذية ليشمل تفاصيل الممارسة المهنية. من قبيل إلزام الهيئات بإخبار وزارة العدل بتغييرات مرتبطة بمكاتب المحامين أو أنماط اشتغالهم. معتبرا أن ذلك يمثل انتقالا من مبدأ التنظيم الذاتي إلى منطق الوصاية الإدارية.
وانتقد المتحدث المقتضيات المتعلقة بإخضاع حسابات الودائع لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات. معتبرا أن التبريرات المقدمة للرأي العام “مضللة”. لأن هذه الحسابات، حسب قوله، لا تضم أموالا يملكها المحامون أو تتصرف فيها الهيئات. وإنما تشكل مجرد قناة تمر عبرها ودائع المتقاضين قبل تحويلها إلى أصحابها.
ورأى أن الغاية الحقيقية من هذه المقتضيات ليست حماية أموال المواطنين. وإنما تمكين وزارة العدل من بسط رقابتها على الهيئات المهنية. مبرزا أن المشروع يمنحها صلاحية تحديد شكل الحسابات والوثائق والنظام المعتمد في تقديمها. وهو ما اعتبره تكريسا لوصاية الوزارة على المؤسسات المهنية للمحامين. وأنه يراد للمحامي أن يكون “تحت صباط” وزارة العدل، وليس حماية الأموال أو الودائع.
وفي الشق المتعلق بحصانة الدفاع، أكد آيت بلعربي أن الحصانة ليست امتيازا ممنوحا للمحامي. بل ضمانة أساسية لحماية حق المتقاضين في دفاع حر ومستقل. مشيرا إلى أن الحاجة إليها تبرز خصوصا في القضايا التي تعرف خروقات أو انتهاكات لحقوق الإنسان. وليس في الملفات العادية.
وأوضح أن المحامي في القضايا المرتبطة بالحركات الاحتجاجية أو معتقلي الرأي. يجد نفسه مضطرا إلى مواجهة ما قد يعتبره خروقات تمس شروط المحاكمة العادلة. وهو ما يتطلب تمتعه بحماية قانونية تمكنه من أداء واجبه دون خوف من الاعتقال أو المتابعة.
وفي هذا السياق، انتقد الصيغة الجديدة للمادة 78 من مشروع القانون. معتبرا أنها تراجعت عن الضمانة التي كان يكرسها القانون الحالي بمنع اعتقال المحامي. بسبب ما قد ينسب إليه من سب أو قذف أو إهانة أثناء الجلسة. إذ أصبحت تتحدث فقط عن الأقوال والكتابات. وهو ما يفتح، حسب رأيه، الباب أمام اعتبار بعض المواقف أو الإشارات أو طريقة المرافعة إهانة للمحكمة. بما قد يعرض المحامي للاعتقال أو المتابعة أثناء أدائه لمهمته.
وأضاف أن النتيجة ستكون محاميا يحسب كل كلمة قبل النطق بها. ويفكر في تبعات أي اعتراض أو احتجاج داخل قاعة الجلسات. الأمر الذي سينعكس مباشرة على حق المتقاضين في دفاع قوي وفعال. خاصة في القضايا الحقوقية الحساسة.
واستحضر في هذا السياق ملفات حراك الريف وجرادة ومعتقلي الرأي. معتبرا أنها كشفت، وفق تقديره، حجم الخروقات التي يتصدى لها المحامون. محذرا من أن تمرير المشروع بصيغته الحالية سيجعل الدفاع عن هذه الانتهاكات أكثر صعوبة. بسبب الخوف من المتابعة.
وفي ختام مداخلته، خلص آيت بلعربي إلى أن مشروع القانون 66.23 لا يعزز استقلالية المحاماة ولا يحصن الدفاع. بل يهدف، حسب تعبيره، إلى “ضبط صوت المحامي المزعج” وجعله أقل قدرة على مساءلة الدولة والدفاع بحرية عن الحقوق والحريات. معتبرا أن هذا المشروع يأتي ضمن مسار تشريعي واحد شمل قانون الإضراب ومشروعي المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية. ويروم، وفق وصفه، التضييق على المؤسسات التي ظلت تشكل إحدى القلاع المدافعة عن حقوق الإنسان في المغرب.

