بقلم: أحمد بوز
لم يعد لي ذلك الشغف المعتاد لمتابعة مباريات المنتخب المغربي من المقهى، حيث لم تعد هذه الأخيرة بالنسبة لي فضاء مناسبا لتحقيق هذه الرغبة. غير أن وجودي بالمقهى قبل انطلاق المباريات، أو خلال مواجهات أخرى لا يكون فيها منتخب بلدنا طرفا، أتاح لي الوقوف على تدفق غير مسبوق للنساء لمتابعة مباريات كرة القدم داخل المقاهي. لا يتعلق الأمر بفتيات يمكن تفسير اختيارهن المقهى برغبة في المتابعة رفقة زملائهن من الشباب، بل بنساء متوسطات العمر، وأحيانا متقدمات فيه، بل وبأسر كاملة غادرت البيت ونقلت طقوس الفرجة العائلية إلى المقاهي.
في بعض الأحيان، كانت النساء يحضرن إلى المقهى قبل يوم من موعد المباراة لحجز “تذكرة” الدخول، بعدما عمدت بعض المقاهي إلى اعتماد تذاكر لولوجها وصل ثمنها أحيانا إلى تسعين درهما، أو لحجز مكان بعينه، طاولة “شوكة” تكون مباشرة قبالة الشاشة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان لافتا بالنسبة لي مشهد امرأة حضرت إلى المقهى رفقة زوجها من أجل أن “تقوس” على منتخب مصر، الذي كان يخوض مباراة نصف النهائي أمام السنغال خلال كأس إفريقيا الأخيرة التي أحتضنها بلدنا. كانت تعبر، في أكثر من لحظة، وبانفعال واضح، عن غضبها من الحكم أو امتعاضها من هجمة مصرية قد “تفسد” عليها فرحة إقصاء منتخب لا تشجعه حبا فيه أو معرفة بلاعبيه، بل نكاية في “الفراعنة”، إما بسبب تصريحات غير موفقة لمدربهم، أو لأن تأهل السنغال كان يبدو، في المخيال الجماعي، خصما أسهل للمنتخب المغربي. كل هذا كان يحدث بينما ظل زوجها، على غير المتوقع، هادئا، قليل التفاعل.
أكاد أجزم أن هذا المشهد الذي عشته طيلة مدة بطولة كأس إفريقيا وبعده طيلة مباريات منتخبنا خلال كأس العالم الأخيرة لم يكن استثناء، بل كان هو الغالب في عدد كبير من مقاهي الرباط، كما في مدن مغربية أخرى. فلم تمنع خشونة الفضاء الذي تبث فيه مباريات كرة القدم، وهيمنة لغة السب والشتم، وأحيانا الكلام غير اللائق، عددا متزايدا من النساء من الإصرار على متابعة المباريات في المقاهي أو داخل الملاعب، متحملات كلفة اجتماعية ورمزية ما تزال تلازم هذا الاختيار. فأن تمكث امرأة لساعات في مقهى مكتظ بالرجال، أو أن تحجز لنفسها مكانا داخل مدرجات ملعب صاخب، هو فعل حضور في الفضاء العام قبل أن يكون مجرد تعبير عن شغف رياضي أو امتلاك لثقافة كروية تقنية.
هذا الإصرار لا يبدو سلوكا عابرا أو وليد لحظة ترفيهية، بل يندرج ضمن تحول أعمق في علاقة النساء بالفرجة الجماعية، وبالمجال العام، وبالرموز التي تنتجها الثقافة الشعبية السائدة، وخاصة في المجال الرياضي، الذي ظل، تاريخيا، يكاد يكون مجالا ذكوريا بامتياز. فحضور النساء في فضاءات الفرجة لم يكن غائبا عن المجتمع المغربي في مطلقه، إذ اعتيد هذا السلوك في لحظات ترفيهية أخرى، كحفلات الموسيقى الشعبية والمواسم والمهرجانات، غير أن انتقاله إلى فضاء كرة القدم، وبهذه الكيفية غير المعتادة من قبل، يكتسي دلالة خاصة، لأنه يمس أحد أكثر المجالات التي ظلت إلى حد ما محصنة ضد الاختلاط الرمزي وإعادة توزيع الأدوار داخل الفضاء العام.
وتكتسب هذه الظاهرة معناها الكامل إذا ما وضعت في سياق التحولات التي عرفتها كرة القدم في المغرب على الأقل منذ مونديال قطر 2022. فذلك الحدث لم يكن مجرد إنجاز رياضي غير مسبوق، بل شكل لحظة وجدانية جامعة، أعادت لكرة القدم معناها الوطني، وحولتها إلى لغة مشتركة بين فئات اجتماعية كانت، إلى وقت قريب، خارج هذا الإجماع.
لقد ساهم بروز صور الأمهات في المدرجات، واحتضان اللاعبين لأمهاتهم أمام أنظار العالم، ثم استقبال الملك للاعبين بمعية أمهاتهم، في نقل كرة القدم من مجالها الذكوري الضيق إلى فضاء رمزي أوسع، تصبح فيه المرأة جزءا من السردية الوطنية، لا على الهامش، بل في قلب المشهد. وجاء تنظيم المغرب لنسخة أولى من كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم النسوية، من بين ثلاثة نسخ يفترض أن يحتضنها تواليا، في سياق حرص رسمي على إبراز الحضور النسائي في المجال الرياضي، ليؤسس لمسار رمزي متدرج، ساهم في تطبيع حضور المرأة داخل فضاءات الفرجة الكروية، ليس فقط كمتفرجة، بل كعنصر فاعل في إعادة تشكيل جمهور الكرة ومعانيها.
ثم أتت كأس إفريقيا الأخيرة لتعميق هذا المسار، لا باعتبارها تظاهرة رياضية فقط، بل حدثا اجتماعيا وسياسيا بامتياز. فتنظيم بطولة لم يحتضنها المغرب منذ 1988، ولم يفز بها منتخبه منذ 1976، وسع دائرة المشاركة الرمزية، وجعل من متابعة المباريات فعلا يوميا جماعيا، يتجاوز حدود الملاعب ليغزوا المقاهي والبيوت والفضاءات العامة. وفي هذا السياق، لم يعد حضور النساء في هذه الفضاءات استثناء لافتا، بل مكونا من مكونات الفرجة الجديدة، حيث تتراجع أهمية المعرفة التقنية باللعبة لصالح الانتماء الوجداني والمشاركة في لحظة جماعية نادرة.
غير أن هذا الحضور النسائي، رغم اتساعه، لا يتم دون احتكاك. فالمقاهي والملاعب لا تزال تحمل آثار ثقافة ذكورية راسخة، تجعل من وجود النساء فيها فعلا يتطلب قدرا من التحمل والمواجهة الصامتة. فقبول سماع السب والشتم، أو تجاهل نظرات الاستغراب أحيانا، لا يعني اندماجا كاملا بقدر ما يعكس مرحلة انتقالية، تعيد فيها النساء التفاوض حول حدود وجودهن في فضاءات لم تصمم بالضرورة تاريخيا لاستقبالهن. ومع ذلك، فإن تكرار هذا الحضور يفرغه تدريجيا من طابعه الاستثنائي، ويدفع نحو تطبيع اجتماعي بطيء لكنه فعال.
في خلفية هذا التحول، يبرز رهان واضح للدولة على كرة القدم بوصفها أداة للتماسك الاجتماعي والاستثمار الرمزي. فلم تعد كرة القدم ينظر إليها باعتبارها مجرد نشاط رياضي، بل موردا سياسيا ناعما يستخدم لإنتاج الإجماع، وتعزيز الشعور بالانتماء، وإعادة بناء الثقة في لحظات التوتر الاجتماعي والاقتصادي. ويأتي الاستثمار في البنية التحتية، وتنظيم التظاهرات القارية، وتسويق صورة المغرب كقوة رياضية وتنظيمية داخل إفريقيا، ليجعل من كرة القدم مشروعا يتجاوز الملعب، ويستدعي توسيع قاعدة الجمهور، بما في ذلك النساء.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل الإقبال النسائي على متابعة مباريات كرة القدم عن هذا الرهان العام. فحين تتحول الكرة إلى حدث وطني جامع، يصبح الانخراط فيها شكلا من أشكال المشاركة في الفضاء العمومي، حتى وإن بدا، في ظاهره، ترفيهيا أو غير مسيس. النساء لا يتابعن الكرة فقط لأن اللعبة تغيرت، بل لأن موقعها في المخيال الجماعي تغير، ولأن الدولة والمجتمع معا أعادا شحنها بدلالات جديدة، تجعل من متابعتها فعل انتماء بقدر ما هو فعل فرجة.
وبالتالي، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد انتشار لعادة اجتماعية “جديدة”، بل تحول في بنية الثقافة الشعبية وفي توزيع الأدوار داخل الفضاء العام، حيث يعكس حضور النساء في المقاهي والملاعب تقاطع ثلاثة مسارات: مسار اجتماعي تعيد فيه النساء رسم حدود حضورهن، ومسار رمزي أعادت فيه كرة القدم إنتاج الهوية الوطنية، ومسار سياسي جعل من الرياضة رافعة للاستثمار في الإجماع والشرعية. وبين هذه المسارات، تتشكل ملامح مجتمع يتغير، ببطء وبتوتر، ولكن في اتجاه يصعب معه إعادة كرة القدم إلى ملعبها القديم.

