بينما يتجه الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل سوق الشغل وإلغاء العديد من الوظائف التقليدية. ترى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة أن المستقبل يحمل فرصا واسعة لقطاع العمل الاجتماعي. وفي هذا السياق، كشفت نعيمة بن يحيى. الوزيرة المعنية بالقطاع أن تقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى إمكانية خلق مليون و500 ألف منصب شغل في هذا المجال بحلول سنة 2035. معتبرة أن الاستثمار في الرعاية أصبح خيارا استراتيجيا للمغرب.
وأوضحت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة. خلال الندوة التي نظمها مركز الدراسات حول مساواة النوع والسياسات العمومية. أن هذا المعطى يعزز قناعة الوزارة بضرورة الاستثمار في قطاع الرعاية والعمل الاجتماعي. معتبرة أن التكنولوجيا، رغم تطورها، لا يمكن أن تعوض الرعاية الإنسانية داخل الأسرة. وقالت إن مشاهد إرضاع الأطفال بواسطة الآلات أو احتضان الروبوتات للمسنين “ليست من قيم المجتمع المغربي”. مؤكدة أن رعاية أفراد الأسرة ينبغي أن تظل مسؤولية إنسانية قائمة على التضامن والتكافل.
اقتصاد الرعاية
وكشفت بن يحيى أن الوزارة أطلقت، الأسبوع الماضي، أول استراتيجية لاقتصاد الرعاية في المغرب. ووصفتها بأنها الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي وشمال إفريقيا. مضيفة أنها حظيت بتنويه من هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة العمل الدولية. باعتبارها تجربة تراهن على جعل الرعاية الاجتماعية رافعة للتنمية وخلق فرص الشغل.
وفي السياق ذاته، أعلنت الوزيرة أن الوزارة شرعت في إعادة هيكلة مهنة العمل الاجتماعي. بعدما كان عدد من العاملين يزاولون مهامهم دون اعتماد مهني. مؤكدة أن ممارسة المهنة أصبحت ترتبط بالحصول على شهادة في العمل الاجتماعي. كما كشفت عن توسيع شبكة المعاهد الوطنية للعمل الاجتماعي. بعدما كانت تقتصر على معهد واحد بمدينة طنجة. لتشمل ثلاث جهات جديدة. بهدف تكوين الكفاءات القادرة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة في هذا المجال.
وربطت هذا التوجه بالتحولات الديمغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب. وفي مقدمتها ارتفاع أعداد الأشخاص المسنين وتزايد انخراط النساء في سوق الشغل. مؤكدة أن الوزارة تراهن على تطوير خدمات الرعاية النهارية والعاملين الاجتماعيين المتخصصين. بما يسمح للمسنين بالبقاء داخل أسرهم بدل إيداعهم في مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
تقوية الأسرة
وفي عرضها لتوجهات الوزارة، شددت بن يحيى على أن الأسرة تمثل منطلق الإصلاح في المرحلة الحالية. معتبرة أن تقوية الأسرة تعني تقوية المجتمع، وهو ما دفع الوزارة إلى إعداد أول سياسة عمومية للأسرة في تاريخ المملكة. بعد الاستناد إلى الدراسات التي أنجزتها الوزارة، ومعطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى. ودراسات حول القيم وغيرها من الأبحاث الوطنية.
وأوضحت أن هذه السياسة جاءت لسد فراغ ظل قائما لسنوات. إذ يتوفر المغرب على استراتيجيات خاصة بالمرأة والطفولة والمساواة بين الجنسين والأشخاص المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة. لكنه لم يكن يتوفر على إطار استراتيجي خاص بالأسرة.
وأكدت الوزيرة أن أول مرتكزات هذه السياسة يتمثل في تعزيز منظومة القيم. معتبرة أن عددا من المشكلات التي يعرفها المجتمع المغربي ناتجة عن اختلالات في القيم داخل الأسرة. واستحضرت في هذا السياق النقاش الذي رافق مراجعة مدونة الأسرة. مشيرة إلى أن قضية تقاسم الممتلكات عند الطلاق استأثرت باهتمام واسع. في حين أن الأصل، حسب تعبيرها، هو أن تقوم الأسرة على قيم التضامن والتكافل وليس على الحسابات المادية.
“الأسرة ليست مقاولة”
وقالت إن الأسرة “ليست شركة ولا مقاولة، بل وحدة اجتماعية يجب أن تسود فيها قيم التضامن والتآزر والتكافل بين أفرادها وبين الأجيال”. معتبرة أن اختلال هذه القيم ينعكس على العلاقات الأسرية ويساهم في بروز عدد من المشكلات الاجتماعية.
وكشفت أن الوزارة أدرجت ضمن السياسة العمومية للأسرة برنامجا للوساطة الأسرية. يختلف عن الوساطة القضائية. ويقوم على تدخل وسطاء اجتماعيين لتقريب وجهات النظر بين الزوجين، أو بين الآباء والأبناء. أو بين الأزواج وعائلاتهم، بهدف الحد من النزاعات الأسرية قبل تفاقمها.
كما أعلنت عن إطلاق برنامج للتربية الوالدية، يستهدف الآباء والأمهات الذين يحتاجون إلى تطوير مهارات التربية والتواصل مع أبنائهم. بهدف تعزيز قدراتهم على التعامل مع التحديات الأسرية والوقاية من عدد من المشكلات الاجتماعية.
وربطت الوزيرة بين قوة الأسرة وتراجع عدد من الظواهر الاجتماعية. معتبرة أن التشرد والتسول والإدمان وغيرها من الإشكالات ترتبط، في كثير من الحالات. بأوضاع اجتماعية أو اقتصادية تعيشها الأسر. وهو ما يجعل الاستثمار في الأسرة استثماراً في استقرار المجتمع.
محاربة الصور النمطية
وفي السياق نفسه، كشفت عن إطلاق البرنامج الوطني الأول لمحاربة الصور النمطية القائمة على النوع. مشيرة إلى أن بعض المناهج الدراسية والرسائل الإعلامية ما تزال تكرس صورا نمطية تتعارض مع المبادئ الدستورية. من قبيل ربط المشاركة السياسية بالرجال، والأعمال المنزلية بالنساء. معتبرة أن هذه الصور تؤثر سلبا على ترسيخ مبدأ المسؤولية المشتركة داخل الأسرة وفي المجتمع.
وشددت بن يحيى على أن مختلف هذه البرامج والاستراتيجيات تندرج ضمن رؤية تروم جعل الأسرة محور السياسات الاجتماعية. وتعزيز دورها في مواجهة التحولات المجتمعية والديمغرافية. بما يرسخ التماسك الاجتماعي ويحافظ على القيم التي يقوم عليها المجتمع المغربي.

