بقلم: عمر لبشيريت
كانت نهاية الأسبوع الماضي مسرحية سياسية مكتملة الأركان. كنا أمام عرض مفتوح على الهواء الطلق، اختلطت فيه السياسة بالمسرح، والواقع بالتمثيل. عشنا فصولًا من “السيد بونتيلا وتابعه ماتي” لبريخت، وشاهدنا مشاهد من “في انتظار غودو” لبيكيت. يوم السبت الماضي، كان بريخت حاضرًا في الداخلة، وكان بيكيت جالسًا في سلا يتابع العرض.
في هذا المسرح الغريب، لم يعد من السهل التمييز بين البطل والكومبارس، بين صاحب القرار ومن يكتفي بترديد دوره، بين الزعيم وظله. اختلطت الأدوار، وتعددت الظلال، حتى أصبح السؤال مشروعًا: من يقود المشهد؟ ومن يكتفي بالوقوف تحت الأضواء؟
في الداخلة، ظهر عزيز أخنوش وإلى جانبه محمد شوكي، في صورة بدت أقرب إلى علاقة مدير المؤسسة بتلميذه النجيب. كان شوكي هادئًا، مطيعًا، مبتسمًا، وهو يفسح الطريق للعزيز أخنوش. كان يؤدي دوره بعناية، وكأنه اكتفى بأن يكون جزءًا من الديكور السياسي للمشهد.
بدا رئيس حزب الأحرار وكأنه يؤدي دورًا أكبر من الدور الذي اعتاده، أو ربما الدور الذي كُتب له فجأة. لم يكن في المشهد ما يوحي بالاعتراض أو التمرد. ولماذا يعترض أصلًا؟ فالدور الذي منحه له المخرج لم يكن متوقعًا، وهو الذي كان أقصى طموحه السياسي في مرحلة سابقة هو قيادة شبيبة “البام”.
قيل إن عزيز أخنوش ابتعد عن قيادة الحزب، أو أوحى البعض بذلك، لكن عودته السريعة إلى الواجهة كشفت أن بعض الأدوار لا يمكن أن يؤديها البديل. فعندما احتاج الحزب إلى مواجهة كلامية مع فوزي لقجع، كان لا بد من استدعاء الممثل الرئيسي.
فالرسائل السياسية الثقيلة لا تُرسل عادة بأصوات الكومبارس، بل تحتاج إلى ممثلين معروفين، قادرين على ملء الخشبة.
لهذا، عندما حان وقت المواجهة، تراجع قائم مقام رئيس حزب الحمامة، محمد شوكي، إلى الخلف، وتقدم أصحاب الأدوار الرئيسية: عزيز أخنوش، ورشيد الطالبي العلمي، ومحمد أوجار.
حتى “المدفعية الثقيلة” التي أخرجها الأحرار في الداخلة لم تكن جديدة تمامًا. فقد حاول الحزب توجيه رسائل نارية إلى “البام”، لكنه استعان بأسلحة تحمل كثيرًا من مفارقات الماضي. فالعلاقة بين بعض الوجوه الحالية في الحزبين ليست وليدة اللحظة، بل تحمل تاريخًا من التقاطعات والانتقالات السياسية.
فالسيد عزيز أخنوش كان، في مرحلة من مراحل نشأة الحزب، خازنًا وجابيًا لـ”البام”، بينما كان السيد محمد شوكي شابًا “باميًا” يحلم برئاسة شبيبة “التراكتور”، قبل أن “يهاجر” إلى حزب الأحرار عقب “طرده” من الأصالة والمعاصرة، ليجد نفسه، بعد سنوات، رئيسًا للحزب..
ويبقى السؤال معلقًا فوق الخشبة: من هو الزعيم الحقيقي؟ ومن هو الظل؟ وكم عدد الظلال والكومبارس التي تحتاجها بعض الأحزاب حتى يظهر صاحب الدور الأصلي؟
أما في سلا، فقد كان الجمهور ينتظر “غودو”. أشهر طويلة من الانتظار، والتلميحات، والتسريبات، والرسائل المتناقضة. منذ أشهر، لا يتوقف التبشير بقدوم “غودو”. الصحافة تؤكد مجيئه، وقيادة “البام” تنفي، ثم تتراجع، ثم تؤكد أنها تتشاور معه، بينما يخبرنا “غودو” بأن مشهد صعوده إلى خشبة السياسة لم يكتمل إعداده بعد، وأنه سيتولى شخصيًا إعلان ذلك أمام الجمهور، حالما ينتهي “المخرج” من كتابة الدور المنوط به.
ثم، جاء، أخيراً، وزي لقجع، وخطف الأضواء من فاطمة الزهراء المنصوري. للحظة، اعتقد الجمهور أن لحظة ظهور “غودو” قد حانت. لكن سرعان ما اكتشف الجميع أن الرجل حضر ولم يحضر، دخل ولم يدخل، ظهر في المشهد لكنه لم يتولَّ الدور الذي انتظره كثيرون.
جاء “غودو”، لكنه لم يأت. دخل إلى المكتب السياسي لحزب التراكتور، لكنه لم يدخل سباق البرلمان. فهل كان هذا هو المشهد المنتظر؟ أم أن المخرج ما زال يغير السيناريو في آخر لحظة؟
المشكلة أن “التراكتور” لا يحتاج إلى نصف غودو، بل إلى غودو كامل. يحتاج إلى شخصية تعيد ترتيب الخشبة، وتصلح ما فسد، وتعيد الثقة إلى جمهور بدأ يشعر بأن العرض طال أكثر مما ينبغي.
فالحزب يحتاج إلى أكثر من اسم جديد، وأكثر من ممثل. محرك التراكتور فقد كثيرًا من طاقته ولمعانه الصناعي، وتآكلت أجزائه واعتراها الصدأ..
لكن لماذا اختار المخرج أن يقدم للجمهور نصف المشهد فقط؟ لماذا تأخر الكشف عن بقية الشخصيات؟ كنا نريد معرفة كل شيء: أبطال المسرحية، وكاتب السيناريو، ومهندس الديكور، وصاحب الإضاءة. كنا نريد عرضًا مكتملًا، لا بروفات مفتوحة أمام الجمهور.
لماذا يتأخر ظهور “غودو” السياسي؟ وما المفاجأة التي يحضرها المخرج في الفصل القادم؟
ربما السبب أن السيناريو لم يكتمل بعد، وأن المخرج نفسه لا يزال يبحث عن النهاية المناسبة. لذلك ظهر الممثلون مرتبكين، يتحركون في كل الاتجاهات، في انتظار أن تُكتب بقية الفصول.
إنها مسرحية 23 شتنبر.
وإلى حين إسدال الستار، سيبقى الجمهور محاطًا بالظلال والكومبارس والدمى المتحركة. لكن الخطر أن يتحول المشاهد نفسه، في نهاية المطاف، إلى مجرد كومبارس في عرض لا يعرف نهايته، ويقرر مغادرة المسرح.

