بعد خمسة عشر سنة على اعتماد دستور 2011، يعود النقاش حول حصيلة تنزيل مقتضياته ومدى وفاء التجربة الدستورية بالرهانات التي صاحبت إقرارها. فبينما تم اعتبار الدستور لحظة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي والمؤسساتي بالمغرب، بما تضمنه من توسيع للحقوق والحريات وتعزيز لمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة واستقلال السلطة القضائية. يرى عدد من الفاعلين الحقوقيين أن هذه المكتسبات ظلت، في جانب كبير منها، حبيسة النصوص ولم تجد طريقها الكامل إلى الممارسة. وفي هذا السياق، قدمت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، اليوم الجمعة 31 يوليوز، قراءة تقييمية لمسار خمسة عشر عاما من التنزيل، معتبرة أن الحصيلة تكشف عن تقدم على المستوى النظري. يقابله استمرار اختلالات حقوقية ومؤسساتية وتشريعية تحد من الأثر الفعلي للدستور.
اعتبرت العصبة أن حصيلة خمسة عشر عاما من تنزيل دستور 2011 تكشف عن فجوة مستمرة بين الترسانة الدستورية المتقدمة في مجال الحقوق والحريات وبين واقع الممارسة التشريعية والقضائية والإدارية. مؤكدة أن عددا من أبرز المقتضيات الدستورية ما زال يواجه صعوبات في التفعيل. سواء على مستوى ملاءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، أو حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية. أو ضمان حرية التعبير والصحافة والولوج إلى المعلومة.
وأوضح التقرير، أن الوثيقة الدستورية شكلت محطة غير مسبوقة في تاريخ المغرب، بعدما خصصت الباب الثاني للحريات والحقوق الأساسية. وأقرت لأول مرة الالتزام بحماية منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. مع التنصيص على سمو الاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها المغرب.
غير أن العصبة ترى أن هذا المكسب ظل في جانب كبير منه ذا طابع نظري. إذ بقي الالتزام بالمواثيق الدولية محصورا في مستوى الإعلان الدستوري أكثر منه قاعدة قانونية مطبقة بصورة منهجية. وسجل التقرير استمرار وجود نصوص قانونية لا تنسجم مع الالتزامات الدولية للمملكة. إلى جانب بطء وانتقائية ملاءمة التشريعات الوطنية، واستمرار اعتماد القانون الداخلي باعتباره المرجع الأول حتى في الحالات التي توفر فيها الاتفاقيات الدولية حماية أوسع للحقوق.
وأضاف التقرير أن القضاء المغربي لا يزال متحفظا في التطبيق المباشر للاتفاقيات الدولية. سواء بسبب غياب اجتهاد قضائي مستقر يكرس سموها. أو نتيجة استمرار نصوص قانونية لا تمنح القضاة الوسائل الكافية لتقديم القانون الدولي على التشريع الوطني عند التعارض. وهو ما ينعكس، حسب العصبة، على فعالية الحماية القانونية للحقوق والحريات.
كما انتقد التقرير غياب آلية وطنية دائمة وملزمة تتولى فحص مشاريع القوانين قبل اعتمادها للتأكد من مدى توافقها مع الاتفاقيات الدولية. معتبرا أن هذا الفراغ المؤسساتي يؤدي إلى استمرار سن نصوص تحتاج لاحقا إلى تعديلات لتدارك تعارضها مع المعايير الدولية. في وقت يفترض أن تضطلع المحكمة الدستورية بدور محوري في تكريس مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية ومراقبة دستورية القوانين المخالفة له.
وفي ما يتعلق بالحق في الحياة والسلامة الجسدية، سجلت العصبة أن دستور 2011 كرس لأول مرة الحق في الحياة وحظر التعذيب بشكل مطلق. إلا أن الممارسة لا تزال تعرف، وفق التقرير، استمرار إصدار أحكام بالإعدام رغم وقف تنفيذها منذ سنة 1993. وهو ما اعتبرته تناقضا بين التوجه الدستوري واستمرار النصوص الجنائية التي تجيز هذه العقوبة.
وأشار التقرير أيضا إلى استمرار تسجيل ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة والتعذيب أثناء التوقيف أو الحراسة النظرية أو داخل بعض المؤسسات السجنية. مع ملاحظات بشأن بطء التحقيق في بعض الشكايات وعدم ترتيب المسؤوليات بالقدر الكافي لضمان عدم الإفلات من العقاب. معتبرا أن حماية السلامة الجسدية لا تتحقق فقط بتجريم التعذيب. وإنما عبر منظومة متكاملة تشمل الوقاية والرصد المستقل والتحقيق الفوري والمساءلة القضائية وجبر الضرر.
وفي محور حرية التعبير والصحافة، اعتبرت العصبة أن دستور 2011 منح هذه الحقوق مكانة متقدمة. من خلال ضمان حرية الرأي والتعبير، ومنع الرقابة القبلية على الصحافة، وإقرار الحق في الحصول على المعلومة. غير أن حصيلة التنزيل كشفت، حسب التقرير، استمرار وجود مقتضيات قانونية تسمح بتقييد حرية التعبير. فضلا عن متابعة صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان استنادا إلى مقتضيات القانون الجنائي في قضايا مرتبطة بالنشر والتعبير عن الرأي.
وسجل التقرير ما وصفه بازدواجية التشريع في هذا المجال، مع استمرار اللجوء إلى القانون الجنائي في قضايا النشر. بما اعتبره تراجعا عن فلسفة دستور 2011 وقانون الصحافة والنشر. كما نبه إلى استمرار التضييق على بعض المؤسسات الإعلامية. والدعوة إلى توفير بيئة قانونية ومؤسساتية تضمن استقلال وسائل الإعلام وتكافؤ فرص الولوج إلى الفضاء العمومي.
أما بخصوص الحق في الحصول على المعلومات، فرغم صدور القانون المنظم لهذا الحق. رصد التقرير استمرار عراقيل عملية تحد من فعاليته. من بينها التوسع في تفسير الاستثناءات القانونية، وضعف النشر الاستباقي للمعلومات. وبطء معالجة الطلبات، واستمرار هيمنة ثقافة السرية داخل عدد من الإدارات.
وأشار التقرير إلى أن عددا من هيئات الأمم المتحدة وآليات الاستعراض الدوري الشامل أوصت المغرب بتسريع ملاءمة تشريعاته مع التزاماته الدولية. وضمان التطبيق الفعلي للاتفاقيات الدولية أمام المحاكم والإدارات. ومراجعة النصوص التي قد تؤدي إلى تجريم التعبير السلمي عن الرأي. وتعزيز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وخلصت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى أن نجاح التجربة الدستورية لا يرتبط بوجود نصوص متقدمة فحسب. بل بمدى تحويلها إلى ضمانات قانونية وقضائية ومؤسساتية فعالة. داعية إلى مراجعة شاملة للتشريعات الوطنية، وإرساء آلية دائمة لملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية. وتعزيز استقلال القضاء، وتكريس التطبيق المباشر للمواثيق الدولية. بما يضمن الانتقال من الاعتراف الدستوري بالحقوق إلى ممارستها الفعلية على أرض الواقع.


