اعتبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن الإجراءات الاجتماعية التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027 تظل محدودة مقارنة بحجم تدهور القدرة الشرائية وتزايد أعباء المعيشة، مؤكدة أن مراجعة الضريبة على الدخل والرفع من بعض الاعتمادات الاجتماعية، رغم أهميتهما، لا يعوضان الزيادة العامة في الأجور والمعاشات، ولا يستجيبان لمطالب فئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين.
وقال يونس فيراشين، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في تصريح نشرته الصفحة الرسمية للمركزية النقابية، إن المكتب التنفيذي تدارس خلال اجتماعه المنعقد الأربعاء 28 أكتوبر 2026 مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى جانب عدد من القضايا المرتبطة بالأجور والمعاشات والتشغيل والخدمات العمومية، واضعا في صلب نقاشه سؤال مدى انعكاس التدابير الحكومية على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين، وقدرتها على التخفيف من أعباء الغلاء.
وفي هذا السياق، استحضر فيراشين معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي أشار إلى أنها تفيد بأن أكثر من 80 في المائة من الأسر تشعر بتدهور قدرتها الشرائية، فيما تلجأ حوالي 40 في المائة منها إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتها لمواجهة نفقات المعيشة.
وسجل المسؤول النقابي أن بعض التدابير الواردة في المشروع، خصوصا المتعلقة بمراجعة الضريبة على الدخل والرفع من بعض الاعتمادات الاجتماعية، تمثل استجابة جزئية لمطالب دافعت عنها الكونفدرالية عبر الحوار والتفاوض والاحتجاجات، بما فيها المسيرة الوطنية الأخيرة، معتبرا أن ذلك يؤكد أثر التعبئة والنضال في انتزاع بعض المطالب، دون أن يعني الاستجابة لباقي الانتظارات.
وفي ما يتعلق بمراجعة الضريبة على الدخل، أوضح فيراشين أن المشروع يقترح رفع الشطر السنوي المعفى من الضريبة إلى 60 ألف درهم، ورفع نسبة الخصم عن المصاريف المهنية إلى 45 في المائة، بسقف يصل إلى 35 ألف درهم، وهي إجراءات من شأنها تخفيف العبء الضريبي عن فئات من الأجراء.
غير أنه شدد على أن المشروع لا يضمن، خلافا لما صرح به وزير المالية، إعفاء جميع الأجور الخام التي لا تتجاوز 10 آلاف درهم من الضريبة، باعتبار أن الاستفادة تظل مرتبطة بشروط، من بينها الخصومات المستحقة والوضعية العائلية لكل أجير.
وانتقد فيراشين امتداد استكمال الإصلاح الضريبي إلى سنة 2031، في الوقت الذي تفرض فيه الأوضاع الاجتماعية، تحسين الدخل بشكل مستعجل، مجددا مطالبة النقابة بتسريع هذا الإصلاح وإعطاء الأولوية للأجور الصغرى.
كما لفت إلى أن فئات واسعة من العمال والعاملات معفاة أصلا من الضريبة على الدخل، وبالتالي لن تستفيد من التخفيضات المقترحة، رغم تحملها تكاليف المعيشة نفسها، من كراء ونقل ومصاريف الأبناء، وهو ما يجعل الزيادة العامة في الأجور بالقطاعين العام والخاص، والرفع من المعاشات، ضمن المطالب الأساسية للمركزية النقابية.
وتشمل هذه المطالب أيضا رفع وتوحيد الحد الأدنى للأجر في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي، وإقرار سلم متحرك للأجور والمعاشات يتيح مواكبة ارتفاع الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
وعلى مستوى أسعار المواد الأساسية والمحروقات، أكد عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن تراجع معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، مشيرا إلى استمرار تحمل الأسر كلفة الزيادات المتراكمة في المواد الغذائية والسكن والنقل والعلاج.
واعتبر أن رفع الضريبة على الأرباح الكبرى لشركات المحروقات خطوة إيجابية، لكنها تستدعي مراقبة فعلية للأسعار وهوامش الربح، تفاديا لتمرير الكلفة الضريبية إلى المستهلكين عبر زيادات جديدة، مشددا على أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل من جيبه الضريبة المفروضة على أرباح الشركات.
وفي هذا الإطار، جددت الكونفدرالية تمسكها بمطلب تسقيف أسعار المحروقات، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وإعادة تشغيل مصفاة «سامير» لتعزيز السيادة الطاقية، إلى جانب تخفيف العبء الضريبي على المواد الأساسية.
وبخصوص الحماية الاجتماعية، سجل فيراشين أن الرفع المقترح للحد الأدنى من الدعم المباشر إلى 600 درهم، والتوجه نحو تحسين الحد الأدنى للمعاشات، يحتاجان إلى وتيرة أسرع ومبالغ تراعي كلفة المعيشة، معتبرا أن الحاجيات الاجتماعية لا تحتمل تأجيل الاستجابة إلى نهاية الولاية الحكومية.
كما شدد على ضرورة ضمان التصريح بجميع الأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على أساس أجورهم الحقيقية وعدد ساعات عملهم الفعلي، بما يضمن حقوقهم الاجتماعية.
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فرغم تثمين الزيادة في الميزانيات المخصصة لهما، اعتبر المسؤول النقابي أنها لا تزال دون مستوى الانتظارات، مؤكدا أن تقييمها ينبغي أن ينطلق من أثرها الفعلي على الخدمات المقدمة للمواطنين، سواء من خلال تقليص آجال انتظار مواعيد العلاج، وتوفير الأدوية والأطر الصحية الكافية، أو تحسين ظروف التعلم والحد من الاكتظاظ داخل المدارس العمومية.
وأوضح أن تحسين الخدمات العمومية يتطلب توفير مناصب مالية تستجيب لحجم الخصاص، وتحسين ظروف العمل وتنفيذ الاتفاقات القطاعية، مشيرا إلى أن جودة هذه الخدمات تساهم في حماية دخل الأسر والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وفي ما يخص التشغيل، شدد فيراشين على أن الإعلان عن البرامج والتحفيزات الاستثمارية لا يكفي، ما لم يترجم إلى فرص عمل فعلية ولائقة، خصوصا لفائدة الشباب والنساء، بأجور مناسبة وتغطية اجتماعية واحترام للحقوق الأساسية.
ودعا في هذا السياق إلى إلزام المقاولات المستفيدة من المال العام بالتزامات اجتماعية واضحة، مع تعزيز جهاز تفتيش الشغل وحماية الحريات النقابية.
وفي ما يرتبط بالالتزامات السابقة تجاه الموظفين، طالب المتحدث بتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة، وفي مقدمتها إحداث درجة جديدة للترقي وتسوية الملفات العالقة لفئات المهندسين والمتصرفين والتقنيين والمساعدين الإداريين والمساعدين التقنيين، إلى جانب تنفيذ ما تبقى من الاتفاقات المركزية والقطاعية في عدد من القطاعات.
وأكد أن تغيير الحكومة لا يسقط التعهدات الموقعة، مشددا على ضرورة تضمين مشروع قانون المالية الاعتمادات الضرورية للوفاء بها.
وفي مقابل إقراره بأهمية التحكم في العجز والمديونية، دعا فيراشين إلى توسيع موارد الدولة عبر محاربة التهرب الضريبي والاجتماعي والريع والفساد، ومراجعة الإعفاءات الضريبية والنفقات الجبائية غير المجدية، وضمان مساهمة منصفة للثروات والأرباح الكبرى.
وأكد عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل على ضرورة إرساء حوار اجتماعي فعلي، وفق آجال واضحة لتنفيذ الاتفاقات ومعالجة الملفات العالقة، مع احترام الحريات النقابية ومأسسة الحوار الاجتماعي، مذكرا بالتزام إقرار قانون إطار يضمن انتظام هذا الحوار وتتبع تنفيذ مخرجاته.


