أثار إعلان المندوبية السامية للتخطيط تراجع معدل البطالة بالمغرب إلى 9.5%، خلال الفصل الثاني من سنة 2026 نقاشا واسعا حول دلالة هذا الانخفاض. خاصة أنه جاء بالتزامن مع اعتماد منهجية جديدة لقياس سوق الشغل.
وبينما تعتبر المندوبية أن الأمر يتعلق بملاءمة الإحصاءات الوطنية مع المعايير الدولية، يرى عدد من الخبراء أن قراءة هذه النتائج تستوجب استحضار التغييرات المنهجية التي صاحبت البحث الجديد حول القوى العاملة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي سليمان صدقي، أن المقارنة التي يروج لها البعض بين معدل البطالة الحالي البالغ 9.5 % والمعدل السابق الذي كان في حدود 13 % “غير سليمة من الناحية المنهجية”. موضحا أن المندوبية نفسها أكدت في مذكرتها الإخبارية أنه لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين نتائج البحث الجديد حول القوى العاملة لسنة 2026. ونتائج البحث الوطني حول التشغيل المعتمد في السنوات السابقة. بسبب اختلاف المنهجية والمفاهيم الإحصائية، وأن المقارنة الصحيحة تكون فقط مع المؤشرات التي أعيد احتسابها وفق المنهجية الجديدة.
انخفاض البطالة… لكن الصورة أكثر تعقيدا
وأوضح صدقي ، أن المنهجية الجديدة اعتمدت مفهوم البطالة بالمفهوم الضيق. الذي يشترط أن يكون الشخص بدون عمل، ومستعدا للعمل، وأن يكون قد بحث فعليا عن وظيفة. وهو ما أدى إلى استبعاد فئات كانت تدخل سابقا ضمن العاطلين، مقابل استحداث مؤشرات جديدة لقياس “القوة العاملة المحتملة” و”الشغل الناقص” و”الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة”.
واعتبر سليمان صدقي في تصريح لموقع “سفيركم”، أن هذه المقاربة تمنح صورة أكثر تفصيلا عن واقع سوق الشغل. لكنها تجعل مقارنة الأرقام الحالية بالسابقة دون مراعاة اختلاف المنهجية أمرا مضللا.
وأضاف المتحدث أن المؤشرات الجديدة تكشف استمرار عدد من الاختلالات البنيوية، إذ لم يتجاوز معدل النشاط 42.2 %، في حين ظل تشغيل النساء والشباب عند مستويات متدنية. وسجل الشباب بين 15 و24 سنة أعلى معدل للبطالة بلغ 27.2 %. بينما لم يتجاوز معدل الشغل مقابل دخل لدى هذه الفئة 16.6 في المائة.
تحديات سوق الشغل أكبر من معدل البطالة
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة تحسن جودة التشغيل. مستدلا باستمرار وجود 527 ألف شخص في وضعية شغل ناقص. و711 ألف شخص ضمن القوة العاملة المحتملة، أي ما مجموعه 1.23 مليون شخص يواجهون صعوبات في الحصول على عمل مستقر وذي جودة.
وأضاف المتحدب أن النمو الاقتصادي الذي بلغ نحو 4.8 % خلال الفترة نفسها لم ينعكس بالشكل الكافي على خلق فرص الشغل. إذ إن جزءا مهما من المناصب المحدثة ارتبط بانتعاش ظرفي في قطاع الخدمات وتحسن الموسم الفلاحي. فضلا عن استمرار اعتماد الاقتصاد الوطني على القطاع غير المهيكل واتساع الفوارق المجالية في معدلات البطالة بين الجهات.
وخلص صدقي إلى أن الانخفاض المسجل في معدل البطالة يعود بدرجة كبيرة إلى تغيير منهجية الاحتساب وإلى عوامل اقتصادية ظرفية. أكثر مما يعكس تحولا هيكليا في سوق الشغل أو نتيجة مباشرة للسياسات العمومية. مؤكدا أن تقييم وضعية التشغيل يقتضي قراءة مختلف المؤشرات الجديدة مجتمعة، وليس الاكتفاء بنسبة البطالة وحدها.


