أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، وما رافقها من تدفق كبير للمهاجرين المغاربة، ملف الحدود بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة النقاش من جديد. في وقت تتجه فيه دول أوروبية إلى تشديد إجراءات المراقبة على الحدود، تحت ضغط تصاعد الهجرة وصعود التيارات اليمينية المتطرفة في عدد من دول الاتحاد الأوروبي.
وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن انعكاس أي إجراءات إضافية على حركة التنقل بين المغرب وأوروبا. خصوصا بالنسبة لأفراد الجالية المغربية الذين يعبرون التراب الإسباني في اتجاه دول أوروبية أخرى. في وقت تعرف فيه حركة العبور عبر مضيق جبل طارق كثافة كبيرة، خاصة خلال فترات الذروة.
وفي هذا السياق، قال عبد الحميد البجوقي، الخبير في قضايا الهجرة، إن تشديد إجراءات المراقبة على الحدود لا يعني بالضرورة إغلاقها. لكنه قد يؤدي إلى إبطاء عملية العبور، خصوصا بالنسبة للمغاربة الذين يمرون عبر التراب الإسباني في اتجاه إيطاليا وباقي الدول الأوروبية.
وأوضح البجوقي في تصريح لموقع “سفيركم”، أن إخضاع العابرين لمزيد من إجراءات الضبط والتفتيش يمكن أن يؤدي إلى فترات انتظار أطول ومشاكل إضافية في عملية التنقل. لكنه استبعد أن تصل هذه الإجراءات إلى حد عرقلة حركة العبور بشكل كبير.
إسبانيا لن تغلق الحدود
ويرى البجوقي أن من مصلحة إسبانيا الحفاظ على انسيابية حركة العبور، بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية التي تكتسيها هذه العملية. والتي تتم عبر التراب الإسباني وتشكل واحدة من أكبر عمليات التنقل بين ضفتي المتوسط.
وأشار الخبير في شؤون الهجرة والمهاجرين، إلى أن العبور عبر مضيق جبل طارق يمثل عملية أساسية بالنسبة لإسبانيا. سواء من الناحية الاقتصادية أو بالنظر إلى حجم الحركة التي يعرفها. وهو ما يجعل من غير المرجح أن تتجه مدريد نحو إجراءات تؤدي إلى تعطيل هذه العملية بشكل كبير.
وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا، وفق هذا التقييم، يتمثل حسب المتحذثد في تشديد عمليات المراقبة والتفتيش. وليس إغلاق الحدود، مع احتمال تسجيل بعض التأخير والصعوبات الإضافية بالنسبة للمسافرين.
سبتة تكشف خلافات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي
ولا يختزل البجوقي ما يجري في مجرد أزمة مرتبطة بالهجرة أو العبور من سبتة. بل يرى أن التطورات الأخيرة تكشف عن خلافات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تدبير الحدود والهجرة. مشيرا إلى أن بعض المسؤولين الإسبان، ومن بينهم وزير الداخلية. سبق أن أكدوا أن سبتة ومليلية تتمتعان بنظام خاص، وأن العبور إليهما لا يعني بالضرورة العبور إلى باقي التراب الإسباني وفضاء شنغن.
غير أن البجوقي يعتبر أن هذا التبرير “غير صحيح”، ويرى أن الإجراءات الحالية تؤشر على وجود إشكالات تتجاوز موضوع العبور من سبتة ومليلية. وقد تكون مرتبطة بخلافات أعمق بين الدول الأوروبية حول سياسة الهجرة وحماية الحدود.
اليمين المتطرف يضغط على ملف الهجرة
ويربط الخبير في الشؤون الأوربية هذه التطورات أيضا بالصعود المتزايد لليمين المتطرف في أوروبا. مقابل استمرار الليبراليين والاشتراكيين وحلفائهم من اليسار في المشهد السياسي.
ويعتبر المتحدث أن هذا التحول السياسي داخل القارة الأوروبية يمكن أن ينعكس على القرارات المرتبطة بالهجرة والحدود. في ظل تصاعد المطالب بتشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
تأثير مباشر على المغاربة العابرين نحو أوروبا
ومن أبرز التداعيات المحتملة لهذه الإجراءات، بحسب البجوقي. تأثيرها على المواطنين المغاربة الذين يعبرون التراب الإسباني في اتجاه دول أوروبية أخرى. موضحا أن المغاربة القادمين أو المتجهين إلى إيطاليا، والذين يمرون عبر إسبانيا. سيكونون من بين الفئات التي يمكن أن تتأثر بتشديد المراقبة، من خلال زيادة عمليات التفتيش وإطالة زمن الانتظار في بعض الحالات.
لكن الخبير يستبعد أن تتحول هذه الإجراءات إلى عائق كبير أمام حركة التنقل. مؤكدا أن المصالح الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بحركة العبور تجعل من مصلحة إسبانيا الحفاظ على حد أدنى من الانسيابية.
أزمة قد تمتد إلى دول أوروبية أخرى
ولا يستبعد البجوقي أن تكون لهذه الإجراءات انعكاسات على دول أوروبية أخرى. خصوصا الدول الحدودية التي سبق أن واجهت تدفقات كبيرة للمهاجرين.
ويستحضر المتحدث في هذا السياق الأزمة التي عرفتها أوروبا خلال الحرب في سوريا. وما رافقها من تدفقات كبيرة عبر تركيا واليونان باتجاه الحدود الأوروبية، ثم امتداد الضغط إلى دول أوروبية شرقية أخرى.
ويرى الخبير في قضايا الهجرة، أن هذه التجارب السابقة تؤكد أن أزمات الهجرة لا تبقى محصورة في دولة واحدة. بل يمكن أن تنتقل تداعياتها بسرعة إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى. خصوصا عندما تغيب سياسة أوروبية موحدة في التعامل مع الحدود والهجرة.
الاتحاد الأوروبي أمام أزمة تتجاوز الحدود
ويعتقد البجوقي أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة مرتبطة بحدود سبتة أو بحركة المهاجرين. وإنما أصبحت جزءا من إشكالية أوروبية أوسع.
ويطرح الخبير تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز هذه الأزمة والوصول إلى مقاربة مشتركة توازن بين مراقبة الحدود من جهة. والحفاظ على حرية التنقل والمصالح الاقتصادية والعلاقات مع دول الجوار من جهة أخرى.
لامبيدوزا تستقبل أعدادا أكبر
وفي معرض حديثه عن حجم الهجرة عبر الحدود المغربية الإسبانية مقارنة بمسارات الهجرة الأخرى. أشار البجوقي إلى تصريحات سابقة لوزير الداخلية الإسباني تفيد بأن أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا مباشرة. خصوصا عبر جزيرة لامبيدوزا، تفوق بأضعاف أعداد الذين يعبرون الحدود الإسبانية المغربية.
وشدد على أن خصوصية سبتة ومليلية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند مقارنة مسارات الهجرة، لأن الحدود تنتهي داخل المدينتين. وبالتالي فإن وصول شخص إلى سبتة أو مليلية لا يعني بالضرورة انتقاله مباشرة إلى باقي التراب الأوروبي.
ويرى البجوقي أن إمكانية وصول المهاجرين من سبتة ومليلية إلى باقي التراب الأوروبي تظل محدودة. مقارنة بمسارات أخرى تصل من خلالها أعداد أكبر من المهاجرين مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي.








