سفيركم – الغالي محمد الرشاشدة (من زوريخ)
أثارت أرقام حديثة حول طالبي اللجوء القادمين من دول شمال إفريقيا في سويسرا نقاشا واسعا حول أسباب ارتفاع نسبة المتهمين بارتكاب جرائم في صفوف هذه الفئة مقارنة بطالبي اللجوء القادمين من مناطق أخرى، بعدما كشفت معطيات تعود إلى سنة 2024 عن نسبة مرتفعة من الأشخاص الذين كانوا محل اتهام بارتكاب جريمة واحدة على الأقل أثناء فترة دراسة طلبات اللجوء أو بعد صدور قرارات الرفض.
وأظهرت المعطيات، التي أوردتها صحيفة Blick واستندت فيها إلى وثيقة داخلية صادرة عن أمانة الدولة السويسرية للهجرة، واطلعت عليها أيضا هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية SRF، أن أكثر من 80 في المائة من طالبي اللجوء القادمين من شمال إفريقيا كانوا متهمين بارتكاب جريمة واحدة على الأقل خلال الفترة المذكورة، فيما أشارت المقارنة إلى أن معدل تورط هذه الفئة في الجرائم يفوق بأكثر من ستة أضعاف ونصف المعدل المسجل بين طالبي اللجوء القادمين من دول أخرى.
وطرح هذا الرقم الكبير سؤالا أساسيا حول الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، خصوصا أن ارتفاع نسبة الاتهامات لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص المنتمين إلى هذه الفئة لديهم نية إجرامية أو أن الأصل الجغرافي يشكل سببا مباشرا للجريمة، وهو ما يجعل تفسير هذه الأرقام أكثر تعقيدا من مجرد ربطها بجنسية أو منطقة معينة.
وأوضح الصحفي والخبير في شؤون المغرب العربي Beat Stauffer، في حديثه إلى SRF، أن الاعتقاد بأن هؤلاء الشباب يصلون إلى سويسرا وهم يحملون منذ البداية نية السرقة أو الاتجار بالمخدرات سيكون تبسيطا للواقع، مؤكدا أن أغلبية طالبي اللجوء لا يغادرون بلدانهم وهم يخططون لارتكاب الجرائم.
وأشار الخبير إلى أن كثيرا من هؤلاء الشباب يدركون قبل مغادرتهم أن فرص حصولهم على إقامة قانونية في سويسرا محدودة، لكنهم في الوقت نفسه يعتقدون أن هناك وسائل أخرى تمكنهم من البقاء في أوروبا، سواء في سويسرا أو في إحدى الدول الأوروبية المجاورة.
وبين أن الهدف بالنسبة إلى بعض هؤلاء لا يكون بالضرورة الحصول على اللجوء بقدر ما يكون كسب الوقت والبقاء في أوروبا لأطول مدة ممكنة، موضحا أن تقديم طلب اللجوء قد يمنح الشخص عدة أشهر يستطيع خلالها البحث عن علاقات جديدة أو الحصول على مساعدة من معارف أو العثور على عمل غير قانوني أو محاولة إيجاد وسائل أخرى للبقاء.
ولفت الخبير إلى أن بعض هذه الاستراتيجيات أصبحت تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقدم بعض الحسابات والمؤثرين من أصول مغاربية تصورات مختلفة حول طرق البقاء في أوروبا، الأمر الذي قد يشجع بعض الشباب على خوض رحلة الهجرة رغم معرفتهم المسبقة بصعوبة الحصول على إقامة قانونية.
وسلط تقرير SRF الضوء كذلك على ظاهرة أخرى تتمثل في تزايد أعداد القاصرين القادمين من شمال إفريقيا، حيث يرى الخبير أن بعض العائلات أصبحت تدرك أن فرص أبنائها القاصرين في البقاء داخل أوروبا قد تكون أفضل من فرص البالغين، خصوصا مع إمكانية الاستفادة من التعليم أو التكوين المهني.
وأوضح الخبير أن الهجرة في بعض الحالات لا تكون قرارا فرديا، وإنما تتحول إلى مشروع عائلي تشارك فيه الأسرة، حيث تنتظر العائلة من الشخص الذي يصل إلى أوروبا أن ينجح في إيجاد طريق للبقاء وأن يبدأ في إرسال الأموال إلى أسرته في أسرع وقت ممكن، وهو ما قد يضع الشباب أمام ضغوط اجتماعية واقتصادية كبيرة.
وأشار الخبير إلى أن هذه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية قد تدفع بعض الشباب، في حالات معينة، إلى سلوكيات مخالفة للقانون، خصوصا عندما يجد الشخص نفسه من دون إقامة قانونية أو مصدر دخل مشروع، غير أن هذه الظروف لا يمكن أن تشكل مبررا لارتكاب الجريمة، إذ تبقى المسؤولية القانونية فردية.
وأثار التقرير أيضا مسألة إعادة طالبي اللجوء الذين صدرت بحقهم قرارات رفض، مشيرا إلى أن عمليات الترحيل لا تكون دائما سهلة، بسبب اختفاء بعض الأشخاص أو صعوبة تحديد هوياتهم أو استكمال الإجراءات الضرورية لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وأشار الخبير إلى أن الشخص الذي تتم إعادته في نهاية المطاف إلى بلده قد يواجه شعورا قويا بخيبة الأمل، خصوصا إذا كانت أسرته قد استثمرت أموالا كبيرة في رحلة الهجرة، وقد يدفع هذا الشعور بعض الشباب إلى محاولة الهجرة مجددا إلى أوروبا، حتى بعد تجربة فاشلة سابقة.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة العلاقة المعقدة بين سياسات اللجوء والهجرة غير النظامية والجريمة، خصوصا في ظل الصعوبات التي تواجهها السلطات الأوروبية في التعامل مع الأشخاص الذين لا يملكون حقا قانونيا في البقاء، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بتنفيذ قرارات الترحيل.
وتفرض هذه الأرقام، في المقابل، قراءة دقيقة وحذرة، خصوصا أن ورود شخص ضمن إحصاءات الاشتباه أو الاتهام لا يعني بالضرورة صدور حكم قضائي نهائي بإدانته. كما أن ارتفاع نسبة الاتهامات في صفوف فئة معينة لا يمكن أن يتحول إلى حكم جماعي على جميع مواطني شمال إفريقيا، سواء كانوا طالبي لجوء أو أفرادا من الجاليات المقيمة في سويسرا بشكل قانوني.
ويبرز في هذا السياق أيضا دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل تصورات بعض الشباب عن الهجرة إلى أوروبا، خصوصا عندما تقدم لهم صورة توحي بأن الوصول إلى أوروبا يعني بالضرورة إمكانية البقاء وتحقيق حياة أفضل، من دون أن توضح لهم المخاطر القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي قد يواجهونها في حال رفض طلبات اللجوء.
وتفتح هذه المعطيات في الوقت نفسه نقاشا أوسع حول كيفية تعامل الدول الأوروبية مع طالبي اللجوء الذين ترفض طلباتهم، وحول الحاجة إلى سياسات أكثر وضوحا في مجالات اللجوء والترحيل والوقاية من الجريمة، إلى جانب مواجهة شبكات الاستغلال التي قد تستفيد من هشاشة بعض المهاجرين.
ويضع هذا الواقع السلطات السويسرية أمام تحد مزدوج يتمثل في حماية أمن المجتمع من جهة، وضمان التعامل العادل مع طالبي اللجوء من جهة أخرى، فيما يبقى فهم أسباب الهجرة غير النظامية ومعالجة العوامل التي تدفع بعض الشباب إلى خوضها جزءا أساسيا من أي مقاربة تسعى إلى الحد من هذه الظاهرة.


