أعادت تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، أمس الاثنين 31 غشت المنصرم، بشأن عدم وجود مؤشرات تربط المغرب بالتدبير لعملية الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، النقاش حول طبيعة الأزمة وتداعياتها السياسية إلى الواجهة. خصوصا في ظل الاتهامات التي سبق أن وجهتها أطراف من اليمين الإسباني إلى الرباط.
وجاءت تصريحات سانشيز بعد نشر تقارير في الصحافة الإسبانية، استندت إلى معطيات منسوبة إلى المخابرات الإسبانية، خلصت بدورها إلى عدم وجود أدلة تثبت تورط المغرب في تنظيم أو تدبير عملية الهجرة نحو سبتة. ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية تلقي الرأي العام الإسباني لهذه المعطيات. ومدى تأثيرها على خطاب اليمنين المتطرف والخطاب المعادي للمغرب عموما.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الخبير في العلاقات الدولية، البَرَّاق شادي عبد السلام، أن شهادة رئيس الحكومة الإسبانية، المستندة إلى تقديرات المركز الوطني للاستخبارات، “تفتح أفقا جديدا في فهم سلوك الدولة الإسبانية تجاه المبادرات الجيوسياسية للمملكة المغربية”.
كما اعتبر البَرَّاق، ضمن تصريح لموقع “سفيركم”، أن تعاطي ما أسماه بـ”الأوساط الواقعية” في مدريد مع المعطيات الاستخباراتية أظهر “إدراكا عميقا لخطر الحسابات الخارجية واليمين المتطرف التي حاولت صناعة أزمة افتراضية لتطويق النجاعة المغربية”.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أن القرار الحكومي الإسباني بمواجهة ما أطلق عليه حملات التضليل الرقمي. “يتجاوز حدود المناورة السياسية الداخلية ليصل إلى مستوى الإقرار الصريح بوزن الرباط كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه”.
وفي ما يتعلق بمواقف اليمين الإسباني التي تبني خطابها على العداء للمغرب. اعتبر البَرَّاق أن استغلاله، بعناصره في حزب فوكس والجناح الراديكالي للحزب الشعبي، لهذه التطورات. هو “محاولة يائسة لاستعادة المبادرة عبر توظيف الخطاب الشعبوي وتأجيج الاحتقان الاجتماعي ضد المهاجرين وضد المغرب”.
كما شدد البَرَّاق على أن المزايدات السياسية التي يمارسها هذا التيار “تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية لتشكل تهديدا للانسجام الاجتماعي الداخلي لإسبانيا”. من خلال محاولة تشويه طبيعة الشراكة الأمنية بين مدريد والرباط وتقديمها في إطار “التنازل”.
وحسب الخبير المهتم بالشأن الإسباني، فإن هذا الخطاب يعكس “عجز اليمين الراديكالي عن استيعاب التحولات الهيكلية في عقيدة الأمن القومي الإسباني”. التي باتت ترى في الرباط “دعامة الاستقرار الأولى بالمنطقة”.
وجوابا على سؤال حول تأثير هذه التصريحات على صورة المغرب داخل إسبانيا. نبه البَرَّاق إلى أن التطورات الأخيرة تعكس توجها داخل مراكز صنع القرار الإسبانية نحو ترسيخ قناعة مفادها أن “الأمن القومي لإسبانيا يرتبط ارتباطا وجوديا بطبيعة التعاون والشراكة مع الرباط”.
كما أوضح البَرَّاق أن هذه القناعة تتجاوز “الضجيج الأيديولوجي الذي تغذيه الآلة الإعلامية المحافظة”. في إشارة إلى الفارق بين المواقف الصادرة عن المؤسسات الرسمية وبين بعض الخطابات السياسية والإعلامية. التي تستمر في تقديم المغرب باعتباره مصدر تهديد.
وأكد البَرَّاق على أن هذه التصريحات من شأنها أن تعزز موقع المغرب باعتباره “قوة إقليمية ضامنة للاستقرار الإقليمي. وشريكا سياديا يفرض إيقاعه الجيوسياسي بمنطق الثبات والنجاعة”.
ورغم أن تصريحات سانشيز لن تنهي الجدل السياسي والإعلامي حول المغرب داخل إسبانيا بشكل نهائي. إلا أن صدورها عن رئيس الحكومة. مع إحالتها إلى التقديرات الاستخباراتية. يضع الخطاب اليميني أمام معطى يصعب تجاهله. ويعيد النقاش من الاتهامات السياسية إلى مسألة الأدلة والمعطيات الرسمية.
محمد الطوبي


