حملت ورقة بحثية حول حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لساكنة مخيمات تندوف. (حملت) الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة التي تقع المخيمات فوق إقليمها، مسؤولية قانونية عن ضمان حقوق السكان الموجودين تحت ولايتها الإقليمية. مؤكدة أن تفويض إدارة المخيمات لجهة غير دولية لا يعفي الدولة من واجباتها في الرقابة والحماية والمساءلة.
وأوضحت الورقة، التي أعدها تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية للمشاركة في ندوة على هامش الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في غشت 2026. أن مسؤولية الجزائر تستند إلى مبدأ “الولاية الإقليمية الفعلية”. الذي يفرض على الدولة المضيفة احترام وضمان حقوق الإنسان لجميع الأفراد الموجودين فوق إقليمها. بغض النظر عن الترتيبات الإدارية الممنوحة لأي طرف غير دولي.
وحسب المصدر ذاته، فإن ممارسة جهة غير حكومية لأدوار إدارية أو أمنية داخل المخيمات لا تعني انتقال المسؤولية الدولية إليها. بل تفرض على الدولة المضيفة واجب ممارسة الرقابة والعناية الواجبة لمنع نشوء فراغ في المساءلة. وترى أن أي تراخ في الرقابة والإشراف السيادي على ما يجري داخل المخيمات يمكن أن يضع الجزائر أمام مسؤولية مباشرة عن الإخفاق في حماية الحقوق وضمان سبل الانتصاف.
وتحدد الورقة مسؤوليات الدولة المضيفة في ثلاثة مستويات مترابطة: الاحترام والحماية والإعمال. فواجب الاحترام يقتضي عدم المساس المباشر بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بينما يفرض واجب الحماية ممارسة الرقابة لمنع انتهاك هذه الحقوق من قبل سلطات الأمر الواقع. في حين يتطلب واجب الإعمال اتخاذ تدابير إيجابية وملموسة لضمان الانتقال من وضعية الارتهان للمساعدات إلى التمكين الحقوقي.
وتستند الورقة في هذا السياق إلى ملاحظات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لعام 2018. التي أعربت، وفق ما أوردته الدراسة، عن قلقها إزاء التفويض الفعلي لبعض الصلاحيات القضائية والإدارية الجزائرية إلى جبهة البوليساريو. وشددت على أن هذا الوضع لا يعفي الجزائر من التزاماتها بموجب العهد الدولي، باعتبارها الضامن النهائي للحقوق فوق إقليمها.
ولا تحصر الورقة المسؤولية في الجانب الرقابي، بل تربطها أيضا بضرورة إرساء آليات عملية للحماية والمساءلة. وفي مقدمة ذلك، تدعو إلى إحداث منظومة وطنية مستقلة للتحقيق والانتصاف. قادرة على النظر في ادعاءات انتهاك الحقوق الأساسية داخل المخيمات. وضمان عدم الإفلات من العقاب تحت غطاء التفويض الإداري.
وبالموازاة مع ذلك، دعت الورقة إلى إخضاع وضعية ساكنة مخيمات تندوف لآليات تسجيل وإحصاء مستقلين. بما يتيح تحديد المركز القانوني للأفراد وتوفير وثائق حماية رسمية. إلى جانب تمكين الآليات الأممية المختصة من الولوج الدائم وغير المشروط إلى المخيمات. بهدف ضمان رصد ميداني مستقل ومستمر لواقع الحقوق.
واعتبرت الدراسة أن استمرار غياب التسجيل الفردي وآليات التحقق المستقلة يمثل أحد أبرز مظاهر الإشكال القانوني الذي يحيط بوضعية سكان المخيمات. فحسب الورقة، لم تخضع الساكنة، منذ نشأة المخيمات قبل نحو خمسة عقود، لعملية منهجية لتحديد صفة اللاجئ تحت إشراف مباشر ومستقل من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما لا يوجد سجل فردي موثق يحدد هوية كل شخص ووضعه القانوني بدقة.
واعتبرت أن هذا الفراغ القانوني يتقاطع مع “الإغلاق الجغرافي والإداري”. الذي يحد من إمكانية الوصول المستقل إلى المخيمات، ويجعل عملية التحقق من واقع الحقوق رهينة بمصادر قد تكون غير مستقلة أو متضاربة. مشيرة إلى أن غياب الرصد الميداني المستقل يضعف القدرة على تقييم الحقوق في مجالات الصحة والتعليم والغذاء ومستوى المعيشة تقييما دقيقا.
وانعكس هذا الوضع، وفق الورقة، على مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ففي مجال العمل والضمان الاجتماعي. أشارت الدراسة إلى غياب اقتصاد محلي مهيكل وسوق عمل رسمي. مع اعتماد واسع على المساعدات الإنسانية. فيما يبقى العمل غير المهيكل خارج مظلة الحماية الاجتماعية والرقابة المهنية.
وفي قطاع التعليم، تحدثت الورقة عن ضعف الاستمرار الدراسي، ولا سيما في صفوف الفتيات. إلى جانب محدودية فرص التعليم العالي والتكوين المهني المتخصص. بينما تربط واقع الصحة بالعزلة الجغرافية ومحدودية البنية التحتية الصحية وصعوبة الولوج إلى الرعاية المتخصصة خارج المخيمات.
كما ربطت الدراسة الحق في مستوى معيشي لائق بالاعتماد المزمن على المساعدات الدولية وغياب اقتصاد محلي منتج. معتبرة أن ذلك يبقي السكان في حالة هشاشة أمام تقلبات التمويل الدولي. ويطرح، في تصورها، سؤال مسؤولية الدولة المضيفة عن توفير أطر للحماية الاجتماعية.
وشددت الورقة، في المقابل، على أن التعاون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المسؤولية الأصلية للدولة المضيفة. فالدول المانحة والوكالات الأممية، حسب الدراسة، تتحمل أدوارا تضامنية وتكميلية في ضمان الموارد والبرامج الإنسانية والتنموية. لكن ذلك لا يسقط عن الجزائر التزاماتها في الرقابة والضمان والتمكين باعتبارها صاحبة الولاية الإقليمية.
وخلصت الورقة إلى أن معالجة الوضع الحقوقي في مخيمات تندوف تقتضي الجمع بين تحديد المركز القانوني للأفراد. وفتح المجال أمام الرقابة الدولية المستقلة. واستعادة الدولة المضيفة لولايتها الحمائية. كما دعت إلى إدراج وضعية المخيمات ضمن آليات المتابعة والبحث الحقوقي الدولي. بما يمنع استمرار ما تصفه بـ”مناطق الظل” خارج الرصد والمساءلة.
وفي خلاصتها، اعتبرت الدراسة أن الانتقال من التمتع الشكلي إلى الإعمال الفعلي للحقوق يفرض على الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة. تعزيز آليات الرقابة والمساءلة الوطنية فوق إقليمها. مع جعل التعاون الدولي رافدا داعما وليس بديلا عن التزاماتها.


