أثارت التصريحات الأخيرة لقيادات حزب الأصالة والمعاصرة بشأن موقع الحزب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة نقاشا حول طبيعة حساباته السياسية. وما إذا كان يتحدث من موقع الثقة في تصدر نتائج الاقتراع أم أنه يضع، في الوقت نفسه، سيناريوهات بديلة لما بعد إعلان النتائج.
وكانت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة، قد صرحت في وقت سابق بأن الحزب لن يتحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار في حال لم يحتل المرتبة الأولى في الانتخابات. فيما قال محمد المهدي بنسعيد، في تصريح للقناة الثانية، إن الحزب سيتجه إلى المعارضة إذا لم يحرز المرتبة الأولى.
هذه المواقف تطرح سؤالا حول ما إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة متأكدا بالفعل من قدرته على تصدر الانتخابات. خصوصا أن خطاب قياداته يتحدث عن الفوز والمرتبة الأولى بنبرة تبدو واثقة. كما تفتح الباب أمام سؤال آخر: هل الحزب مستعد فعلا لممارسة المعارضة؟ وهل يمكن اعتباره حزبا معارضا، بالنظر إلى مشاركته في الحكومة الحالية؟
ويطرح الأمر أيضا تساؤلات حول طبيعة النخب والأعيان والبرلمانيين الذين التحقوا بالحزب خلال السنوات الأخيرة: هل جاءوا إلى حزب الأصالة والمعاصرة من أجل ممارسة المعارضة،. أم بحثا عن موقع سياسي داخل المؤسسات والحكومة؟ وهل سيكون الحزب قادرا على الحفاظ على تماسك هذه النخب إذا وجد نفسه خارج الحكومة؟
وفي قراءة لهذه الأسئلة، اعتبر الأستاذ رشيد لبكر، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة. أن الخطاب الذي تقدمه الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، والمتعلق بتوقع تحقيق مراتب متقدمة والحصول على عدد كبير من المقاعد. يدخل في إطار طبيعة المنافسة الانتخابية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حكما مسبقا على النتائج.
هل يتحدث “البام” عن الفوز بثقة أم أن الأمر مجرد خطاب انتخابي؟
وأوضح لبكر في تصريح لموقع “سفيركم”، أن جميع الأحزاب تحاول خلال هذه المرحلة تقديم نفسها باعتبارها الأفضل والأجدر بثقة المواطنين. مشيرا إلى أن كل حزب يسعى إلى إقناع الناخبين بأنه قادر على تحقيق نتائج متقدمة والحصول على مقاعد داخل البرلمان.
وأكد المتحدث أن هذا النوع من الخطاب يبقى عاديا في سياق الحملات الانتخابية. لأن كل تنظيم سياسي يحاول تقديم نفسه باعتباره الأجدر بقيادة المرحلة المقبلة، مضيفا أن الحكم الحقيقي على هذه الخطابات لا يمكن أن يتم إلا بعد ظهور نتائج صناديق الاقتراع.
وأشار استاذ القانون العام إلى أن مرحلة ما بعد الانتخابات ستفرض منطق الأرقام وقوة النتائج. وبالتالي فإن الحديث بعد الإعلان عن النتائج سيكون مختلفا عن الخطاب الذي يسبقها. لأن عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب سيشكل عاملا أساسيا في تحديد مواقفه وخياراته السياسية.
لبكر: تصريحات الأحزاب حول التحالفات لا يمكن أخذها على إطلاقها
وفي ما يتعلق بالتصريحات المتبادلة بين الأحزاب بشأن التحالفات، اعتبر لبكر أن الوعود والوعيد والتهديدات والخطابات المتبادلة خلال هذه المرحلة. تدخل، في جانب منها، ضمن استراتيجية الحملات الانتخابية، ولا تعني بالضرورة أن الأحزاب اتخذت مواقف نهائية وغير قابلة للتغيير.
وأوضح المحلل السياسي أن من الصعب، قبل معرفة النتائج، الجزم بأن حزبا معينا لن يتحالف مع هذا الطرف أو ذاك. لأن منطق الأرقام وتركيبة البرلمان قد يفرضان بعد الاقتراع حسابات سياسية جديدة.
وأضاف رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بالجديدة،أن الأحزاب التي تتطلع إلى الوصول إلى السلطة ستأخذ، بعد إعلان النتائج بعين الاعتبار ضرورات المرحلة ومصالح البلاد. وهو ما قد يجعل بعض المواقف المعلنة خلال الحملة الانتخابية خاضعة لإعادة التقييم.
وبحسب لبكر، فإن الخلافات الحالية بين عدد من الأحزاب لا تبدو بالضرورة خلافات عميقة ونهائية. بل ترتبط في جانب منها بطبيعة المنافسة الانتخابية ورغبة كل حزب في تقديم نفسه باعتباره القوة الأولى والأجدر بالحصول على ثقة الناخبين.
هل يستطيع “البام” الانتقال إلى المعارضة؟
وفي ما يتعلق بإمكانية انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى المعارضة في حال عدم تصدره الانتخابات. أكد لبكر أن الحكم والمعارضة ليسا موقعين ثابتين لأي حزب سياسي، مشددا على أن الحزب يفترض أن يكون مستعدا لممارسة أدواره من أي موقع كان.
وشدد لبكر على أن المعارضة والحكم لا يفصل فيهما وفق مقاس أي حزب، وإنما تحددهما الخريطة السياسية التي ستفرزها صناديق الاقتراع. معتبرا أن أي حزب سياسي يجب أن يكون قادرا على التعامل مع النتائج التي سيحصل عليها وممارسة دوره وفقا للموقع الذي ستضعه فيه الخريطة السياسية.
وأضاف الاستاذ الجامعي أن القول بأن حزبا معينا سيظل دائما في المعارضة أو أنه مهيأ دائما للمشاركة في الحكومة لا ينسجم مع طبيعة الممارسة السياسية. موضحا أن الظروف تتغير من مرحلة إلى أخرى، كما تتغير معها الحسابات والتحالفات.
واكد لبكر على أنه “ليس هناك حزب خلق ليكون دائما في الحكم، مع أنه ليس هناك حزب خلق ليكون دائما في المعارضة”. مشددا على أن الحزب إذا اقتضت مصلحته السياسية ومصلحة البلاد أن يكون في المعارضة، فمن المفروض أن يمارس المعارضة. وإذا أفرزت النتائج والتحالفات موقعا آخر، فعليه أن يمارس دوره من الموقع الجديد.
الأعيان والنخب داخل البام.. هل جاءوا لممارسة المعارضة؟
وبخصوص الأعيان والنخب والبرلمانيين الذين التحقوا بحزب الأصالة والمعاصرة خلال السنوات الأخيرة. أوضح لبكر أن جزءا من هذه الحركية يرتبط بأحزاب لم تحقق المستوى الذي كانت تطمح إليه انتخابيا وسياسيا. أو بفاعلين يبحثون عن فرص جديدة داخل الخريطة السياسية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن بعض النخب والأعيان قد ترى في الأحزاب التي تتوفر على تمثيلية قوية فرصة للاستفادة من حضورها السياسي. غير أن ذلك لا يعني أن الحزب مطالب بتغيير بوصلته السياسية لإرضاء شخص أو مجموعة محددة.
واعتبر استاذ القانون العام أن الحزب إطار جماعي يضم العديد من الأشخاص، ويفترض أن يدافع عن مصلحة جماعية هي مصلحة التنظيم. وبالتالي لا يمكن أن يتوقف مستقبل الحزب أو قراراته السياسية على شخص واحد أو شخصين.
وشدد المتحدث على أن منطق العمل الحزبي يقتضي أن تكون المصلحة الجماعية للحزب هي الأساس، وليس إرضاء هذا الطرف أو ذاك. معتبرا أن من يختار الدخول في صدام دائم مع الحزب أو يحاول اختزال الممارسة السياسية داخله في حسابات شخصية. قد يجد نفسه في نهاية المطاف مضطرا إلى البحث عن موقع سياسي آخر.
وختم لبكر بالتأكيد على أن هذه الحركية جزء من طبيعة الممارسة السياسية، وأنه من الصعب إصدار حكم نهائي على مواقف الأحزاب وتحالفاتها قبل ظهور النتائج. لأن الخريطة التي ستفرزها صناديق الاقتراع هي التي ستحدد في النهاية مواقع الأحزاب، سواء في الحكومة أو المعارضة، وطبيعة التحالفات التي ستتشكل خلال المرحلة المقبلة.


