أكد علي ارجدال، الدكتور في العلوم القانونية والسياسية، أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، بموجب الفصل 47 من الدستور، حمل دلالات مؤسساتية ودستورية وسياسية وحقوقية تتجاوز مجرد انتقال في تدبير السلطة التنفيذية أو رمزية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة. معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه السابقة ستحددها الممارسة والنتائج التي ستترتب عنها.
وعقب استقبالها، صباح يومه الثلاثاء 29 شتنبر، من طرف الملك محمد السادس، وتعيينها رئيسة للحكومة. ربطت “سفيركم” الاتصال بعلي ارجدال. والذي أكد أن التعيين الملكي جاء في سياق دستوري محدد، عقب الانتخابات التشريعية، وفي إطار مقتضيات الفصل 47. وهو ما جعله، في جوهره، تعبيرا عن استمرار اشتغال الآليات الدستورية لإنتاج السلطة التنفيذية وتشكيل الحكومة.
وأضاف أن هذه اللحظة كشفت، مرة أخرى، أن المؤسسات لم تفهم فقط من خلال الأشخاص الذين شغلوا مناصبها، وإنما كذلك من خلال القواعد الدستورية التي أنتجت السلطة وحددت شروط ممارستها. مشيرا إلى أن دلالة التعيين ارتبطت، لذلك، بالسياق المؤسساتي والدستوري الذي تم فيه. وليس فقط بشخص رئيسة الحكومة الجديدة.
واعتبر ارجدال أن وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة وضع المساواة السياسية بين النساء والرجال أمام اختبار مؤسساتي غير مسبوق. موضحا أن أهمية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا تكمن في كونها امرأة فقط. وإنما في أن المجال السياسي أصبح أكثر اتساعا من حيث إمكان الوصول إلى مواقع القرار.
وقال إن هذه اللحظة نقلت المساواة من كونها مبدأ دستوريا وقانونيا إلى ممارسة فعلية داخل بنية السلطة. لكنه حذر من اختزال القراءة الحقوقية للحدث في الاحتفاء بكون المنصوري “أول امرأة” تتولى رئاسة الحكومة.
وأوضح أن الغاية النهائية من المساواة لم تكن صناعة استثناء تاريخي، وإنما جعل الوصول إلى السلطة العامة قائما على تكافؤ الفرص، بحيث لا يصبح الجنس حاجزا أمام تحمل المسؤولية السياسية. مضيفا أن القيمة الحقيقية لهذه السابقة ستظهر في مدى قدرتها على ترسيخ حضور المرأة في مختلف مستويات صناعة القرار، وليس فقط في قمة الهرم التنفيذي.
وفي قراءة لطبيعة المرحلة السياسية الجديدة، أكد ارجدال أن رئاسة الحكومة لم تكن موقعا رمزيا. وإنما مسؤولية دستورية وسياسية ارتبطت بقيادة العمل الحكومي وتنسيق السياسات العمومية وتحويل الاختيارات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ.
وأضاف أن الانتقال من رمزية التعيين إلى منطق الأداء شكل الاختبار الأكثر أهمية، لأن قيمة الحدث لم تتوقف عند لحظة الوصول إلى المنصب، وإنما ارتبطت بما ستنتجه ممارسة المسؤولية الحكومية.
وسجل ارجدال، في السياق ذاته، دلالة سياسية أخرى تمثلت في إعادة تعريف فكرة القيادة السياسية في المغرب. موضحا أن النقاش حول المرأة في الحياة السياسية ظل لسنوات مرتبطا بنسبة التمثيلية وعدد المقاعد والمشاركة الانتخابية. قبل أن ينتقل إلى مستوى آخر يتعلق بإمكانية تولي المرأة مركز صناعة القرار التنفيذي الأعلى وتحمل كامل تبعات المسؤولية السياسية والمؤسساتية.
واعتبر أن هذا التحول كان مهما من الناحية الفلسفية، لأن الديمقراطية لم تُقَس فقط بمن امتلك حق التصويت. وإنما أيضا بمن امتلك إمكانية الانتقال من موقع المواطن المشارك إلى موقع صانع القرار.
ومن زاوية الكفاءة السياسية، قال ارجدال إن تعيين المنصوري وضع هذا المفهوم أمام اختبار جديد. مؤكدا أن المرأة لم تكن في حاجة إلى أن تعامل باعتبارها “استثناء نسائيا” حتى تثبت أهليتها. كما أن الرجل لم يكن من المفترض أن تكون أهليته أمرا مسلما به لمجرد كونه رجلا.
وأكد أن المعيار في الدولة الحديثة كان ينبغي أن يكون الكفاءة والمسؤولية والقدرة على التدبير. إلى جانب الخضوع للمساءلة السياسية والمؤسساتية.
وانطلاقا من ذلك، اعتبر ارجدال أن الأهمية التاريخية لتعيين المنصوري لم تكن تختزل في سؤال “هل أصبحت المرأة رئيسة للحكومة؟”. وإنما في سؤال أعمق يتعلق بما يعنيه أن تصبح المساواة السياسية قادرة على إنتاج امرأة في أعلى موقع من مواقع السلطة التنفيذية.
وأضاف أن اللحظة تقاطعت فيها ثلاثة مستويات أساسية: الدستور بوصفه إطارا للسلطة، والسياسة بوصفها مجالا للتنافس والاختيار، وحقوق الإنسان بوصفها أفقا للمساواة وعدم التمييز.
وفي المقابل، أكد أن التحدي الحقيقي أمام رئيسة الحكومة المكلفة لم يكن في كونها أول امرأة وصلت إلى هذا الموقع. لأن هذه الحقيقة أصبحت منذ التعيين جزءا من التاريخ السياسي المغربي. وإنما في قدرة هذه السابقة التاريخية على التحول إلى ممارسة مؤسساتية ناجعة. وسياسات عمومية قابلة للقياس، وقدرة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية للمغاربة.
وخلص ارجدال إلى أن التاريخ سجل الأسماء التي كانت “الأولى” لكنه لم يمنحها وحده القيمة السياسية. لأن القيمة صنعتها الممارسة وأثبتها الزمن وحكمت عليها النتائج.
وشدد على أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يمكن قراءته باعتباره لحظة انتقال من سؤال من يحق له أن يصل إلى السلطة. إلى سؤال ماذا سيفعل من وصل إليها بها. معتبرا أن “هنا تحديدا تبدأ السياسة الحقيقية”.








