الثلاثاء, سبتمبر 29, 2026
جسركم إلى الخبر

لم تكن الطريق التي قادت فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية، اليوم الثلاثاء، تبدأ من الرباط، بل من مراكش، حيث نشأت وبدأت مسارها المهني في المحاماة، قبل أن تنتقل تدريجيا إلى العمل السياسي، وتخوض تجربة تدبير المدينة ثم العمل البرلماني والحكومي، وصولا إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، ومنه إلى رئاسة الحكومة.

بتعيينها من طرف الملك محمد السادس رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، أصبحت المنصوري أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى هذا المنصب، بعد مسار سياسي وإداري جعلها واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الحياة السياسية المغربية خلال العقدين الأخيرين.

من مراكش إلى دراسة القانون

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش سنة 1976، ونشأت في أسرة لها حضور في مجالي القانون والإدارة. والدها عبد الرحمان المنصوري كان محاميا ورئيسا سابقا لهيئة المحامين بمراكش، كما تولى في وقت سابق منصب باشا المدينة، ثم شغل منصب سفير المغرب لدى دولة الإمارات العربية المتحدة.

اختارت المنصوري بدورها مجال القانون، فتابعت دراستها الجامعية في القانون الخاص بالمغرب، ثم واصلت تكوينها في فرنسا، حيث حصلت على تكوين متخصص في قانون العقود والأعمال بجامعة مونبليي، كما درست القانون الأنغلوساكسوني في الولايات المتحدة بجامعة بيس في نيويورك، وفق سيرتها المنشورة من طرف حزب الأصالة والمعاصرة.

بعد استكمال تكوينها، عادت إلى المغرب واشتغلت بالمحاماة، وانضمت إلى هيئة المحامين بمراكش سنة 2005، مع تركيز مهني على القضايا ذات الصلة بالعقار. وكانت هذه المرحلة هي التي سبقت انتقالها إلى العمل السياسي، حيث راكمت تجربة مهنية في مجال قانوني سيصبح لاحقاً قريباً من الملفات التي ستدبرها داخل المؤسسات المنتخبة والحكومة.

دخول السياسة مع الأصالة والمعاصرة

بدأ حضور المنصوري في المجال السياسي في النصف الثاني من العقد الأول من الألفية، قبل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة بصيغته الحالية. وانخرطت سنة 2007 في حركة لكل الديمقراطيين، قبل أن تصبح في السنة التالية من الأعضاء المؤسسين لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس سنة 2008.

لم تنتظر المنصوري طويلاً قبل الانتقال إلى الواجهة الانتخابية. ففي انتخابات سنة 2009، فازت بعضوية المجلس الجماعي لمراكش، ثم انتُخبت وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها رئيسة للمجلس الجماعي للمدينة، لتصبح أول امرأة تتولى عمودية مراكش. وكانت بذلك ثاني امرأة في تاريخ المغرب تصل إلى رئاسة مجلس جماعي، بعد أسماء الشعبي التي ترأست مجلس الصويرة.

استمرت ولايتها الأولى إلى سنة 2015، وهي الفترة التي منحتها تجربة مباشرة في تدبير مدينة كبيرة والتعامل مع ملفات البنية التحتية والخدمات والتعمير والتنمية المحلية. وبعد سنوات خارج رئاسة المجلس، عادت المنصوري إلى عمودية مراكش عقب انتخابات 2021، لتجمع في تلك المرحلة بين المسؤولية المحلية والمسؤولية الحكومية.

من المجلس الجماعي إلى البرلمان

بالتوازي مع تجربتها في تدبير مراكش، انتقلت المنصوري إلى المؤسسة التشريعية. انتُخبت عضواً بمجلس النواب لأول مرة سنة 2011، واستمرت في البرلمان خلال الولاية التالية، قبل أن تعود إلى الواجهة التنفيذية والمحلية بعد انتخابات 2021. كما تولت رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة لسنوات، ما منحها موقعاً داخل هياكل الحزب ومؤسساته القيادية.

وهكذا لم يكن حضور المنصوري السياسي مرتبطاً بموقع واحد؛ فقد راكمت تجربة في تدبير الشأن المحلي، وأخرى داخل البرلمان، إلى جانب العمل الحزبي، وهي مسارات ستتقاطع لاحقاً مع انتقالها إلى الحكومة.

وزيرة في حكومة أخنوش

بعد انتخابات 2021، عُينت فاطمة الزهراء المنصوري وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش. وجاءت الحقيبة منسجمة إلى حد كبير مع مسارها السابق، بالنظر إلى تجربتها في تدبير مدينة مراكش وتكوينها القانوني واشتغالها السابق في المجال العقاري.

خلال وجودها في الحكومة، ارتبط اسمها خصوصاً بملفات التعمير والسكن وسياسة المدينة، إلى جانب برامج مرتبطة بالسكن. ومن بين أبرز البرامج التي أطلقت خلال هذه المرحلة برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي بدأ تنفيذه سنة 2024، واستهدف مساعدة المواطنين على اقتناء السكن وفق شروط محددة.

وفي هذه المرحلة، أصبحت المنصوري جزءاً من فريق حكومي ضم حزبها الأصالة والمعاصرة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، وهي الأحزاب التي شكلت التحالف الحكومي عقب انتخابات 2021.

من قيادة الحزب إلى الواجهة الوطنية

لم يتوقف صعود المنصوري عند العمل الحكومي. ففي المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2024، اختيرت منسقة للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب، إلى جانب محمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، في صيغة قيادية جماعية اعتمدها الحزب.

ومن موقعها داخل القيادة الجماعية، أصبحت المنصوري واحدة من الوجوه الرئيسية التي تمثل الحزب وتدافع عن اختياراته السياسية، خصوصاً خلال المرحلة التي سبقت الانتخابات التشريعية لسنة 2026.

وجاءت انتخابات 23 شتنبر 2026 لتضع حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب، بعدما حصل على 97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً. وأعاد هذا الترتيب المنصوري إلى الواجهة باعتبارها إحدى الشخصيات المعنية بتحديد شكل المرحلة الحكومية المقبلة.

التعيين الملكي

في 29 شتنبر 2026، استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي في الرباط، قبل أن يعينها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة ويكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.

وبذلك انتقلت المنصوري من قيادة حزب تصدر الانتخابات إلى مسؤولية تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، في ظل مجلس نواب لا يمتلك فيه حزب الأصالة والمعاصرة بمفرده العدد الكافي لتشكيل أغلبية، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بالمشاورات مع الأحزاب الممثلة في البرلمان.

أول امرأة على رأس الحكومة

يحمل تعيين المنصوري بعداً تاريخياً على مستوى التمثيلية السياسية للنساء في المغرب، إذ أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة منذ اعتماد هذا المنصب في صيغته الدستورية الحالية. كما أصبحت ثاني امرأة تترأس حكومة في العالم العربي، بعد التونسية نجلاء بودن التي تولت رئاسة الحكومة التونسية سنة 2021.

لكن وصولها إلى هذا الموقع لم يأتِ من مسار سياسي قصير؛ فمنذ دخولها الحياة العامة انتقلت بين مواقع مختلفة: محامية، وعضو في مجلس جماعي، وعمدة لمراكش، وبرلمانية، ووزيرة، وقيادية حزبية، قبل أن تصل اليوم إلى رئاسة الحكومة.

ومن مراكش التي بدأت منها تجربتها السياسية إلى القصر الملكي بالرباط، تختتم المنصوري مرحلة من مسارها وتفتح أخرى، بعدما أصبحت مسؤولة عن تشكيل حكومة جديدة وقيادة الجهاز التنفيذي في الولاية السياسية المقبلة.

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.