في رسالة مفتوحة وجهتها لرئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيلها، فاطمة الزهراء المنصوري، طالبت النقابة المغربية للمهن الصحية والمنتجات الصحية بالحد من هجرة الكفاءات الصحية، معتبرة أن المنظومة الصحية تعرف نزيفا متواصلا لهجرة الأطباء والأطر الصحية نحو الخارج، بسبب ضعف الأجور وصعوبة ظروف العمل.
وأكدت النقابة، التي قالت إنها راكمت ست سنوات من العمل النقابي في الدفاع عن مهنيي الصحة والفاعلين في القطاعين العام والخاص، دعمها للمبادرات الرامية إلى بناء منظومة صحية وطنية ناجعة وعادلة وقريبة من المواطن، معتبرة أن نجاح هذا الورش يقوم على ركيزتين أساسيتين، تتمثلان في توفير رأسمال بشري صحي كاف ومؤهل ومحفز، إلى جانب نسيج اقتصادي وصناعي وطني قادر على ضمان التزويد المستمر بالأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية وتحقيق السيادة الصحية.
النهوض بالموارد البشرية
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية الصحية، دعت النقابة إلى اعتماد سياسة استباقية متعددة السنوات للموارد البشرية، مبنية على حاجيات كل جهة، مع توزيع عادل للأطر لفائدة المناطق التي تعرف خصاصا. إلى جانب وضع رؤية واضحة لمآل طلبة وخريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، من خلال تنظيم مباريات توظيف منتظمة بجدولة معلنة، وإعطاء الأولوية لخريجي مؤسسات التكوين العمومية، ووضع مسار واضح لإدماجهم في المجموعات الصحية الترابية.
كما طالبت النقابة القطاع الخاص، من مصحات وعيادات طبية، بالمساهمة في تشغيل خريجي معاهد ومدارس التكوين في المهن الصحية الخاصة، بنفس الحقوق والمكتسبات المعمول بها في القطاع العام، بما يضمن استقرارهم في الوظائف الصحية.
وبخصوص الوضعية المادية لمهنيي الصحة، دعت النقابة إلى التفعيل الكامل والسريع للقانون رقم 09.22 المتعلق بالوظيفة الصحية وإصدار نصوصه التطبيقية، بما يضمن أجرا يتكون من شق ثابت وآخر متغير مرتبط بالمردودية، إلى جانب إقرار تعويضات منصفة عن المهام والمسؤوليات والحراسة والإلزامية، والعمل بالمناطق النائية والمصالح ذات الضغط المرتفع، مع احتساب المخاطر المهنية.
كما طالبت بتسريع تنفيذ الالتزامات والاتفاقات السابقة، خاصة مسودة اتفاق 23 يوليوز 2024، معتبرة أن تحسين الوضعية المادية والمهنية يشكل مدخلا أساسيا للحد من هجرة الكفاءات الصحية.
تسهيل مسار التكوين الأكاديمي
وفي محور التكوين والمسار الأكاديمي، طالبت النقابة بفتح جميع الشهادات بالمعاهد والكليات، من الإجازة والماستر إلى الدكتوراه، أمام العاملين بالقطاع، مع احتسابها في الترقية والمسار المهني، فضلا عن تسهيل ولوج الموظفين إلى سلك الدكتوراه وإلغاء الرسوم المفروضة عليهم، والتي قد تبلغ حوالي 20 ألف درهم سنويا.
كما دعت إلى اعتماد ترتيبات إدارية مرنة تتيح التوفيق بين العمل والدراسة، وربط مواضيع البحث العلمي بالإشكالات الفعلية التي تعرفها المنظومة الصحية.
وبخصوص تنزيل المجموعات الصحية الترابية، طالبت النقابة بتوفير الموارد البشرية والمادية واللوجستيكية اللازمة، واعتماد حكامة واضحة تحدد الاختصاصات والمسؤوليات، إلى جانب معالجة الاختلالات بشكل استباقي والاستماع إلى مهنيي الصحة وإشراك ممثليهم في مختلف مراحل التنزيل.
وشددت النقابة على ضرورة الحفاظ على جميع الحقوق والمكتسبات، وتوضيح معايير الترقي والحركة الانتقالية بشكل شفاف وعادل، معتبرة أن نجاح المجموعات الصحية الترابية ينبغي أن يقاس بمدى تحسين الخدمات المقدمة للمواطن، من خلال تسهيل الولوج إلى العلاج، وتقليص آجال الانتظار والمواعيد، وضمان استمرارية الخدمات وجودة التكفل بالمرضى، إلى جانب تحسين ظروف عمل المهنيين.
وفي هذا السياق، وقفت النقابة عند الصعوبات والتعثر الذي تعرفه المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وما خلفه ذلك، وفق المراسلة، من أثر على سير الخدمات وظروف عمل المهنيين واستياء لدى المرتفقين والعاملين، داعية إلى استخلاص الدروس من هذه التجربة تفادياً لتكرار المسار نفسه في المجموعات الصحية الترابية الخمس التي تم تنزيلها.
تعزيز الاستثمار في قطاع الصحة
أما في ما يتعلق بالقطاع الخاص والاستثمار في الصحة والسيادة الصحية، فقد دعت النقابة إلى إدراج الصناعات الصحية ضمن أولويات ميثاق الاستثمار، مع إحداث شباك موحد بالمراكز الجهوية للاستثمار، ووضع استراتيجية وطنية للإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا بشراكة مع الجامعات ومختبرات البحث، إلى جانب توفير تمويل تفضيلي للمقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في مجال الصحة.
كما طالبت برقمنة مساطر الاستيراد وتنسيق الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية مع الجمارك، مع اعتماد مسطرة استعجالية للأدوية والمنتجات الاستراتيجية ومراجعة الرسوم الجمركية على المعدات الطبية، فضلاعن إحداث مخزون استراتيجي وطني وجهوي من المنتجات الحيوية، بإشراك المهنيين، واعتماد نظام للإنذار المبكر بالخصاص.
وفي ما يخص شواهد التسجيل والتقييد لدى الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، سجلت النقابة بإيجابية التحسن الذي عرفته الوكالة وسرعتها في إصدار التصريحات وشواهد التسجيل، غير أنها دعت إلى تعميم المنصة الإلكترونية للترخيص لتشمل جميع المنتجات الصحية، مع تحديد آجال معلنة للمعالجة، ووضع دليل موحد للوثائق حسب فئة المنتج، واعتماد مسطرة مبسطة للمنتجات الحاصلة على شهادات دولية، مثل CE، ومسطرة مستعجلة للأدوية المخصصة للأمراض المزمنة، إلى جانب مراجعة التكلفة.
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، اعتبرت النقابة أنها تمثل سوقا لمهنيي وشركات المستلزمات الطبية، كما تشكل القناة الرئيسية لتجهيز المؤسسات الصحية، مطالبة باعتماد دفاتر تحملات محايدة لا تُفصل على مقاس علامة أو مورد بعينه، ونشر طلبات العروض ونتائجها وتعميم الإيداع الإلكتروني.
كما دعت إلى اعتماد معايير تقييم معلنة تراعي الجودة وليس السعر وحده، مع تعليل قرارات الإقصاء وضمان حق الطعن، فضلا عن تبسيط الوثائق والضمانات لتيسير مشاركة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز دور مجلس المنافسة في ضمان المنافسة الشريفة.
وشددت النقابة على أن هذه المطالب لا تعني التخفيف من شروط الجودة والسلامة والرقابة الصحية، وإنما تهدف، بحسبها، إلى جعل المساطر أوضح وأسرع وأكثر إنصافاً.
تعميم التأمين الإجباري
وبخصوص التأمين الإجباري عن المرض، دعت النقابة إلى إرساء توازن وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، من خلال الحفاظ على جاذبية القطاع العام، ومراجعة التعريفة الوطنية المرجعية، وتوسيع آليات التكفل بالقطاع الخاص، مع توجيه المرضى حسب العرض والحاجة لتقليص آجال الانتظار وضمان علاج عادل وفعال.
وفي ختام مراسلتها، التمست النقابة اعتماد آلية تشاركية لتتبع وتقييم الإصلاح وقياس أثره الفعلي على المواطن والمهني، وفتح حوار منتظم مع ممثلي مهنيي الصحة والمهنيين في قطاع المنتجات الصحية، وفق خارطة طريق واضحة.
وأكدت النقابة أن إصلاح المنظومة الصحية لن يكتمل، من وجهة نظرها، إلا بوضع الموارد البشرية في صلبه، وتمكين المقاولة الوطنية من الاستثمار والتصنيع والتموين في مناخ شفاف ومنصف، بما يحقق السيادة الصحية للمملكة، ملتمسة من رئيسة الحكومة تحديد موعد للقاء ممثليها في أقرب الآجال.


