اختار المغرب عدم إصدار موقف رسمي مباشر بشأن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري. في وقت أثارت فيه الزيارة تفاعلات سياسية وإعلامية في إسبانيا. وأعادت النقاش بشأن مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد وقضية المدينتين المحتلتين.
وفي قراءة للموقف المغربي، اعتبر البَرَّاق شادي عبد السلام، الخبير في العلاقات الدولية، أن تجنب الرباط إصدار بلاغات رسمية متشنجة أو اتخاذ إجراءات بروتوكولية انفعالية عقب الزيارة “لا يعكس ضعفا. بل يجسد نضجا سياسيا يقوم على فلسفة الترفع الاستراتيجي”.
كما أوضح البَرَّاق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، أن المغرب اختار تجاهل الحدث رسميا بهدف “إفراغ الزيارة من قيمتها السياسية والدبلوماسية وتحويلها إلى مجرد حدث محلي بلا صدى دولي”. معتبرا أن الدخول في سجال علني مع مدريد كان سيمنحها فرصة لتدويل النقاش أو الظهور بمظهر الطرف المتضرر.
وأضاف المتحدث ذاته أن الرباط تدرك أن “العلاقات المغربية الإسبانية تغيرت بشكل جذري”. وأن المغرب تحول من مجرد حارس للحدود إلى “شريك استراتيجي ورقم صعب لا يمكن تجاوزه في المنظومة الأمنية والاقتصادية لحوض البحر الأبيض المتوسط”.
كما أشار البَرَّاق إلى أن المملكة تمتلك أوراق قوة في علاقاتها مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، تشمل “التنسيق الأمني والاستخباراتي في مكافحة الإرهاب. وتدبير تدفقات الهجرة غير النظامية. ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. إلى جانب الشراكات الاقتصادية والربط القاري”.
واعتبر البَرَّاق أن مدريد وبروكسل تدركان أن أي اضطراب في التعاون الأمني والاقتصادي مع المغرب قد تكون له كلفة كبيرة. مضيفا أن التحركات الإسبانية في سبتة ومليلية تظل “مناورات هامشية لا تقوى على زحزحة الثقل الاستراتيجي للمغرب”.
كما شدد الخبير ذاته على أن تدبير المملكة لقضية المدينتين يقوم على ما وصفه بمنطق “الدولة القوية ذات الجذور التاريخية الضاربة في القدم”. موضحا أن هذا التوجه “يفضل الصبر الاستراتيجي على ردود الفعل المتسرعة، ويضع المصالح العليا للبلاد فوق الاعتبارات الظرفية”.
وأضاف البَرَّاق أن المغرب لا يقيس نجاح تحركاته الدبلوماسية باليوم أو الأسبوع. بل يعتمد “نفسا طويلا” في تدبير قضاياه السيادية. مع الاحتفاظ بخياراته مفتوحة واختيار التوقيت والطريقة المناسبين لأي تحرك مستقبلي.
وفي هذا السياق، اعتبر البَرَّاق أن مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في محيط سبتة ومليلية. إلى جانب التحرك بالوسائل القانونية والمشروعة. تندرج ضمن الخيارات التي يمكن للمغرب الاعتماد عليها في تدبير ملف المدينتين.
وعلى مستوى الرأي العام الإسباني. حظيت الزيارة باهتمام إعلامي وسياسي. كما لقيت ترحيبا من مؤيدين اعتبروها تأكيدا لاهتمام المؤسسة الملكية بسكان المدينتين. وتقاطعت هذه المواقف مع نقاشات داخلية بشأن تدبير الحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب.
أما في المغرب، فقد اتسم التعاطي الرسمي بالتحفظ، دون صدور أي بلاغ رسمي يدين الزيارة أو الإعلان عن إجراءات دبلوماسية مرتبطة بها. وفتح هذا الموقف المجال أمام قراءات مختلفة بشأن خلفيات الصمت المغربي ودلالاته في سياق العلاقات الثنائية.
وعلى المستوى الحزبي، التزمت غالبية الأحزاب السياسية المغربية الصمت إزاء الزيارة. باستثناء حزب النهج الديمقراطي العمالي وتحالف اليسار. اللذين نددا بها وأداناها. معتبرين أنها تمس بالموقف المغربي من سبتة ومليلية المحتلتين.


