اعتبر الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أن النموذج الفلاحي الذي اعتمده المغرب منذ ستينيات القرن الماضي ساهم في تعميق التبعية الغذائية، بسبب إعطاء الأولوية للإنتاج الموجه إلى التصدير على حساب تلبية حاجيات السوق الداخلية، محذرا من أن وضع المغرب في 2026، فيما يتعلق بإنتاج عدد من المواد الغذائية الأساسية، أصبح أسوأ مما كان عليه قبل 30 و40 و50 سنة.
وقال أقصبي، خلال ندوة رقمية نظمتها الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي تحت عنوان “أي سياسة فلاحية لتحقيق السيادة الغذائية وإنصاف الشغيلة الفلاحية؟”، إن الاختيارات الأساسية للسياسة الفلاحية المغربية ظلت مستمرة منذ ستينيات القرن الماضي، رغم تعاقب مراحل مختلفة، بدءا بسياسة السدود وبناء النموذج الفلاحي التصديري، مرورا ببرامج التقويم الهيكلي وتحرير الأسواق، وصولا إلى مخططي “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذه الاختيارات قامت، منذ البداية، على اعتبار أن المغرب يتوفر على مؤهلات طبيعية وبشرية تسمح له بالتخصص في إنتاج المواد الفلاحية الموجهة إلى الأسواق الخارجية، خاصة الأوروبية، بما يتيح له تحقيق مداخيل بالعملة الصعبة تستخدم لدفع عجلة التنمية الداخلية.
وأضاف أن هذا التصور، الذي شجعته المؤسسات المالية الدولية، جعل التنمية تنطلق من الخارج نحو الداخل، بدل بناء الإنتاج الفلاحي انطلاقا من حاجيات السكان، مشيرا إلى أن الدولة تولت تمويل هذا النموذج من المال العام، عبر بناء السدود وتجهيز الأراضي المسقية، إلى جانب اعتماد سياسات الدعم والقروض والإعفاءات الضريبية والتأطير والتسويق.
وسجل أقصبي أن هذه الاستثمارات العمومية ساهمت، على مدى عقود، في إنشاء قطاع فلاحي موجه إلى التصدير، تمكن المغرب من خلاله من تطوير قدراته الإنتاجية والتصديرية، خاصة في الخضر والفواكه، بدءا بالطماطم والحوامض، ثم الفواكه الحمراء والبطيخ والأفوكادو.
غير أن هذا المسار، حسب المتحدث، لم يحقق التوازن المطلوب بين الإنتاج الموجه إلى الخارج وتلبية حاجيات الاستهلاك الداخلي، وهو ما برز بصورة أوضح مع التحولات التي عرفتها السياسة الفلاحية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
تحرير الأسواق على حساب الأمن الغذائي
وأوضح أقصبي أن برامج التقويم الهيكلي شكلت منعطفا مهما في السياسة الفلاحية المغربية، إذ استمر الاستثمار العمومي في السدود وتجهيز المناطق المسقية، مقابل تحرير الأسواق والخوصصة وتراجع تدخل الدولة في توجيه الإنتاج.
وأشار إلى أن الدولة كانت، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تحدد جزءا من الاختيارات الإنتاجية داخل المناطق المسقية، من خلال مخططات توزيع الإنتاج، بما يخدم أهدافا استراتيجية، من بينها تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المواد الأساسية، مثل السكر والزيوت والحبوب.
لكن هذا التوجه تراجع بعدما أصبحت القرارات الإنتاجية مرتبطة بدرجة أكبر بالربحية وفرص التصدير، وفق منطق السوق، بدلا من الالتزام بأولويات تحددها الحاجيات الغذائية الوطنية.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن هذا التحول دفع عددا من الفلاحين إلى التخلي عن إنتاج بعض المواد الموجهة للاستهلاك الداخلي، والتوجه نحو المحاصيل التصديرية الأكثر ربحية، كما تزامن مع توسع استغلال المياه الجوفية واستنزاف الفرشات المائية.
وفي هذا السياق، انتقد أقصبي ضعف ضبط استغلال المياه الجوفية، مشيرا إلى أن نسبة الآبار غير المرخصة في المغرب تبلغ، حسب المعطيات التي استند إليها في مداخلته، نحو 90 في المائة، وهو ما اعتبره مؤشرا على حجم الاختلالات المرتبطة بتدبير الموارد المائية.
وأضاف أن الدولة واصلت، خلال مرحلة ما بعد التقويم الهيكلي، تشجيع الصادرات الفلاحية، سواء عبر تعزيز تحرير المبادلات التجارية أو إبرام اتفاقيات للتبادل الحر، بما فيها اتفاقيات مع الأسواق الأوروبية التي تشكل وجهة رئيسية للمنتجات المغربية.
“المغرب الأخضر” أعطى الأولوية للإنتاج والتصدير
وبخصوص مخطط “المغرب الأخضر”، الذي انطلق سنة 2008، قال أقصبي إنه ركز على رفع الإنتاجية وتطوير الإنتاج الفلاحي، دون إيلاء الاهتمام الكافي للعلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، معتبرا أن التركيز على العرض وحده لا يكفي لمعالجة إشكالية الأمن الغذائي.
ولفت إلى أن المخطط أُطلق في سياق اتسم بأزمة مالية عالمية، سبقتها أزمة غذائية وارتفاع في أسعار المواد الغذائية خلال سنتي 2006 و2007، ومع ذلك لم يجعل الأمن الغذائي أو السيادة الغذائية في صلب اختياراته المعلنة.
وأضاف أن المخطط اعتمد دعامتين أساسيتين، تتعلق الأولى بالإنتاج والتصدير، والثانية بالفلاحة المعيشية والعائلية، غير أن توزيع الإمكانات والدعم، وفق قراءته، رجح كفة الدعامة الأولى، التي استفاد منها الفلاحون الكبار والأنشطة المرتبطة بالتصدير، مقابل تهميش نسبي للدعامة الثانية.
وانتقد المتحدث، بشكل خاص، آليات دعم الري بالتنقيط، معتبرا أن الدولة وفرت إمكانات مالية مهمة دون ربطها بالتزامات واضحة تضمن حماية الموارد المائية أو توجيه الإنتاج نحو الحاجيات الداخلية أو خلق مناصب الشغل.
وأوضح أن حجم الدعم لم يكن الإشكال الوحيد، بل إن غياب شروط مقابلة له أتاح، حسب المتحدث، الاستفادة من المال العام في توسيع أنشطة إنتاجية تزيد الضغط على الفرشات المائية، دون ضمان تحقيق أهداف وطنية محددة في مجال الأمن الغذائي.
وفي ما يتعلق بمخطط “الجيل الأخضر”، رأى أقصبي أنه يندرج ضمن استمرارية الاختيارات السابقة، داعيا إلى تجاوز الاكتفاء بتغيير التسميات والشعارات نحو مراجعة جوهرية للسياسة الفلاحية ومضامينها.
الأمن الغذائي ليس مجرد القدرة على الاستيراد
وفي معرض توضيحه للفارق بين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي والسيادة الغذائية، اعتبر أقصبي أن الاكتفاء الذاتي يعني إنتاج البلد ما يعادل مجموع استهلاكه من مادة أو مجموعة من المواد، بينما يقوم الأمن الغذائي، وفق تعريف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” لسنة 1996، على ضمان حصول جميع الناس، في كل الأوقات، على غذاء كاف وآمن ومغذ من الناحيتين الاقتصادية والمادية.
وحدد المتحدث أربعة شروط أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، تتمثل في توفر المواد الغذائية، وإمكانية الولوج إليها، وجودتها وسلامتها، ثم استقرار توفرها وإمكانية الحصول عليها.
وأوضح أن وجود المواد الغذائية في الأسواق لا يعني بالضرورة تحقق الأمن الغذائي، لأن القدرة الشرائية تشكل عاملا حاسما في تمكين المواطنين من اقتنائها، مستحضرا ارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية باعتباره أحد مظاهر صعوبة الولوج إلى الغذاء بالنسبة إلى فئات من المغاربة.
في المقابل، قال إن السيادة الغذائية تعني حق الشعوب في تحديد اختياراتها وسياساتها الفلاحية والغذائية بما يستجيب لحاجياتها ومصالحها، مؤكدا أنها لا تعني رفض التصدير، وإنما ترتيب الأولويات وتوجيه الإمكانات المتاحة نحو تلبية حاجيات السوق الداخلية أولا.
واعتبر أن الاعتماد على الأسواق الدولية لتأمين الغذاء ينطوي على مخاطر، لأن توفر القدرة المالية على الاستيراد لا يضمن بالضرورة إمكانية الحصول على المواد المطلوبة في جميع الظروف، خاصة عندما تتأثر الأسواق الدولية بالحروب والأزمات والقيود المفروضة على المبادلات التجارية.
واستحضر في هذا الإطار تداعيات جائحة “كوفيد-19″، التي أعادت، مسألة السيادة إلى واجهة النقاش، بعدما كشفت الأزمات عن أهمية امتلاك القدرة على تأمين الحاجيات الأساسية داخليا، بدل التعويل المطلق على الأسواق الخارجية.
وفي تعليقه على إدراج السيادة الغذائية ضمن تسمية الوزارة المكلفة بالفلاحة في الحكومة الجديدة، رحب أقصبي بهذا التوجه من حيث المبدأ، لكنه شدد على أن العبرة ليست في التسميات، بل في المضمون الفعلي للسياسات المعتمدة.
وتساءل عما إذا كان هذا التغيير سيقود إلى مراجعة جذرية للاختيارات الفلاحية التي استمرت نحو نصف قرن، مؤكدا أن تحقيق الانسجام بين اسم الوزارة وأهدافها يقتضي إعادة النظر في السياسات التي تحكم الإنتاج وتوزيع الدعم واستغلال الموارد الطبيعية.
وشدد على أن الأمن الغذائي والسيادة الغذائية ليسا مفهومين متعارضين، موضحا أن الأمن الغذائي يمثل الهدف، بينما تشكل السيادة الغذائية إحدى الوسائل لتحقيقه، من خلال تمكين البلد من التحكم في اختياراته الفلاحية وتوجيهها نحو حاجيات سكانه.
خمسة مداخل لإعادة توجيه السياسة الفلاحية
وفي حديثه عن البدائل الممكنة، دعا أقصبي إلى مراجعة النموذج الفلاحي الحالي انطلاقا من تقييم نتائجه، معتبرا أن تراجع وضع المغرب في إنتاج عدد من المواد الأساسية، من قبيل الحبوب والشعير والزيوت والحليب واللحوم، يفرض إعادة ترتيب الأولويات والعودة إلى تلبية حاجيات السكان.
وأكد أن تحقيق الأمن الغذائي له كلفة اقتصادية، خاصة أن الانتقال من نموذج استمر لعقود ليس أمرا سهلا، لكنه اعتبر أن هذه الكلفة لا تقارن بقيمة امتلاك القدرة على تأمين الغذاء والتحكم في الاختيارات الوطنية.
كما دعا إلى تجاوز الفصل بين السياسة الفلاحية والسياسة الغذائية، والعمل على جعلهما سياستين مترابطتين، بحيث يستجيب الإنتاج لحاجيات الاستهلاك، بالتوازي مع توعية المواطنين بأنماط الاستهلاك وآثارها الصحية.
وضرب مثالا باستهلاك السكر في المغرب، مشيرا إلى أن متوسط الاستهلاك السنوي للفرد يبلغ، حسب الأرقام التي قدمها، نحو 35 إلى 36 كيلوغراما، معتبرا أن معالجة هذه المسألة لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الإنتاج، بل يجب أن تشمل أيضا التوعية بمخاطر الاستهلاك المفرط للسكر.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة إعادة النظر جذريا في الاختيارات المتعلقة بالمنتجات الفلاحية التي تحظى بالأولوية في الاستثمار والدعم، مقترحا اعتماد معيارين أساسيين عند تحديد هذه الاختيارات.
ويتمثل المعيار الأول في مدى مساهمة الإنتاج في تلبية حاجيات الاستهلاك الداخلي، بينما يرتبط الثاني بمدى ملاءمة المحاصيل للموارد الطبيعية المتاحة، خصوصا المياه، والظروف المناخية والترابية لكل منطقة.
واعتبر أن أي دعم أو استثمار جديد ينبغي أن يخضع لهذين المعيارين، بحيث تعطى الأولوية للمنتجات التي تلبي حاجيات السوق الداخلية، مع مراعاة قدرة الموارد المائية على تحمل الأنشطة الإنتاجية، محذرا من مواصلة تشجيع محاصيل لا تتلاءم مع الإمكانات المائية المتاحة.
وأكد أقصبي أن إصلاح السياسة الفلاحية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إعادة الاعتبار للعالم القروي، داعيا إلى توفير شروط العيش الكريم والحياة الاقتصادية والاجتماعية المقبولة في القرى، باعتبارها فضاء حاضنا للنشاط الفلاحي.
كما شدد على أهمية إعادة الاعتبار للفلاحة المعيشية، ضمن تصور يجعل التنمية القروية وحماية الموارد الطبيعية وتلبية الحاجيات الغذائية للسكان عناصر مترابطة في بناء سياسة فلاحية تستجيب لمتطلبات السيادة الغذائية.


