غصت مواقع التواصل الاجتماعي، مساء أمس الخميس 23 أكتوبر الجاري، بصور البرلمانيين ومقاطع الفيديو لبعض مداخلاتهم، بالإضافة إلى “بوستيرات” تحمل صور رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ومقتطفات من خطابها. وذلك أثناء المناقشة والتعقيب على برنامج عمل الحكومة الجديدة للفترة بين 2026 و2031.
ولأول مرة منذ سنوات، تابع جزء كبير من المغاربة الجلسة البرلمانية باهتمام بالغ، وعلقوا على أطوارها. وقد حققت الجلسة نسب مشاهدة عالية على مختلف منصات التواصل الاجتماعي والتلفزيون العمومي. في ظاهرة غير معتادة خلال السنوات الأخيرة. تعيد طرح سؤال “نفور المغاربة من السياسة”.
واستأثرت مداخلة رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، باهتمام كبير. وخصوصا ردودها على بعض البرلمانيين. من ضمنهم رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، إدريس الأزمي، ورئيسة فريق الحركة الشعبية، ريم شباط.
واستطاعت المنصوري، التي حظيت بإشادة كبيرة حتى من طرف بعض المختلفين معها، أن تكسب الكثير من النقط أمام معارضة أظهرت قوتها وقدرتها على النقد والمساءلة والإحراج في بعض اللحظات. مستعملة كل الوسائل “المشروعة منها وغير المشروعة”. ومستحضرة ملفات محرجة للمنصوري وحزبها وحكومتها. وعلى رأسها “الاتجار في المخدرات وصاك طنجة وإعفاء الوزيرة خيير”.
ولم يكن التفاعل مع الجلسة مرتبطا فقط بمضامين البرنامج الحكومي. بل امتد إلى الطريقة التي دافعت بها المنصوري عن اختيارات حكومتها. وكيفية تدبيرها للمواجهة مع المعارضة. فقد أظهرت الجلسة أن المغاربة لا ينصرفون بالضرورة عن السياسة في حد ذاتها. بقدر ما يبحثون عن نقاش يمس انشغالاتهم اليومية.
وأعادت هذه المتابعة، التي وصفت بـ”الكبيرة والمفاجئة”، طرح سؤال مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة المواطنين. في وقت تتزايد فيه مطالبهم بتحسين القدرة الشرائية وتوفير فرص الشغل وتجويد الخدمات العمومية.
وكشفت مداخلات الفرق والمجموعات البرلمانية، سواء من الأغلبية أو المعارضة، أن مناقشة البرنامج الحكومي لم تكن مجرد محطة دستورية لتقديم التصورات والوعود. بل شكلت اختبارا مبكرا لعلاقة الأغلبية بالمعارضة خلال الولاية الجديدة.
وأعادت حدة بعض المواجهات بين المنصوري وعدد من البرلمانيين النقاش حول الحدود الفاصلة بين الرقابة السياسية والتجاذب الحزبي. فاستحضار ملفات مثيرة للجدل، من قبيل الاتجار في المخدرات وإعفاء الوزيرة خيير. منح بعض المداخلات بعدا يتجاوز تقييم البرنامج الحكومي إلى مساءلة الاختيارات السياسية والأخلاقية للأطراف المعنية.
غير أن أهمية هذه المواجهات لا تقاس فقط بحدة العبارات أو حجم التفاعل الذي تحققه على المنصات الرقمية، بل بقدرتها على تقديم معطيات دقيقة، وطرح أسئلة واضحة. والحصول على أجوبة تتيح للرأي العام التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات والمواقف الحزبية.
وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي، سواء أثناء الجلسة أو بعد انتهاء أطوارها والتصويت لفائدة البرنامج الحكومي بـ204 أصوات مقابل 127. إلى امتداد للمؤسسة البرلمانية. وأحيانا إلى ساحة موازية لتقييم أداء المنتخبين.
فالمداخلة التي كانت تمر في السابق ضمن محاضر الجلسات والتغطيات الإعلامية، باتت اليوم قابلة للاقتطاع وإعادة النشر والتعليق عليها آلاف المرات. وهو ما يمنح البرلمانيين فرصة أوسع للوصول إلى المواطنين، لكنه يضعهم أيضا أمام خطر اختزال أدائهم في جملة مثيرة أو لحظة انفعال. ومن ثم، فإن ارتفاع المشاهدة لا يعني بالضرورة استعادة الثقة في السياسة، بقدر ما يكشف عن وجود اهتمام يمكن أن يتحول إلى مشاركة أوسع إذا اقترن بنقاش مستمر حول السياسات العمومية ونتائجها.
وفي المحصلة، قد تكون جلسة أمس مناسبة لإعادة فتح النقاش حول علاقة المغاربة بالعمل السياسي والمؤسسات المنتخبة، لكنها تضع الحكومة والمعارضة معا أمام اختبار ما بعد الخطاب.


