فشل مجلس الأمن الدولي، مساء أمس الجمعة 30 أكتوبر الجاري، في التوصل إلى صيغة توافقية بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، بعدما أسقطت روسيا مشروع القرار الأمريكي باستخدام حق النقض، قبل أن يفشل مشروع روسي “بديل” في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده.
وقبيل ساعات من انتهاء الولاية الحالية للبعثة في الساعات الأخيرة لنهار اليوم، 31 أكتوبر الجاري، يطرح هذا الانسداد أسئلة بشأن الخطوات المقبلة للمجلس، وما إذا كانت “المينورسو” ستواصل مهامها بتمديد جديد، أم ستدخل مرحلة انتقالية، أم ينتهي تفويضها دون اتفاق على تجديده.
ويضع هذا التطور البعثة الأممية أمام وضع غير مسبوق منذ سنوات، إذ لم يتمكن المجلس من اعتماد أي من المشروعين المتنافسين. فالمشروع الأمريكي حظي بتأييد 11 عضوا، مقابل “فيتو” روسي وثلاثة امتناعات، بينما حصل المشروع الروسي على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، وصوت أمريكي ضده، مع امتناع 11 عضوا.
التمديد التقني.. مخرج لتفادي انتهاء الولاية
من بين الخيارات المطروحة، يبرز احتمال عودة أعضاء مجلس الأمن إلى مشاورات عاجلة، خلال الساعات القليلة القادمة، بهدف البحث عن صيغة توافقية محدودة، تسمح بتجاوز الخلافات التي حالت دون اعتماد المشروعين الأمريكي والروسي.
وقد يتمثل هذا المخرج في قرار قصير الأمد يمدد ولاية “المينورسو” لفترة محدودة، قد تكون أياما أو أسابيع، دون الخوض في القضايا السياسية الخلافية المرتبطة باسم البعثة وطبيعة مهامها ومستقبل وجودها الميداني.
ويتيح هذا الخيار، في حال التوافق عليه، منح أعضاء المجلس والأمانة العامة للأمم المتحدة مهلة إضافية للتفاوض بشأن صيغة أوسع، سواء تعلق الأمر بالإبقاء على البعثة بصيغتها الحالية أو إدخال تعديلات تدريجية على هيكلتها ومهامها.
غير أن هذا التمديد ليس إجراء تلقائيا أو استحقاقا يفرضه القانون بمجرد تعثر التصويت، بل يحتاج بدوره إلى توافق داخل المجلس واعتماد قرار جديد، وهو ما يجعل نجاحه رهينا بمواقف الدول دائمة العضوية.
صيغة توافقية ثالثة.. بين الموقفين الأمريكي والروسي
ويظل التوصل إلى مشروع قرار جديد، يجمع بعض عناصر المقترحين الأمريكي والروسي، خيارا آخر أمام مجلس الأمن، خصوصا أن الخلاف لم يقتصر على مبدأ استمرار البعثة، بل امتد إلى طبيعة مهمتها واسمها ومستقبل مكونها العسكري.
معلوم أن واشنطن دفعت نحو إعادة هيكلة “المينورسو”، وتغيير اسمها، ومراجعة مكونها العسكري، مع جعل مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أساسا للمفاوضات. في المقابل، تمسكت موسكو بالإبقاء على الاسم الحالي للبعثة ومهامها، واقترحت تمديد ولايتها سنة إضافية دون إدخال تغييرات عليها.
وبين هذين الموقفين، قد تسعى بعض الدول إلى صياغة تسوية مرحلية تؤجل الحسم في مستقبل البعثة، أو تفتح الباب أمام مراجعة تدريجية لمهامها، استنادا إلى التطورات السياسية والميدانية.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية بالنظر إلى أن القرار 2797، الذي اعتمده المجلس في أكتوبر 2025، كان قد طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية “المينورسو”، مع أخذ نتائج المفاوضات بين الأطراف بعين الاعتبار. وتضمنت الخيارات التي تناولتها المراجعة تقليص الحضور العسكري وتعزيز آليات المراقبة التقنية، أو إعادة تقييم استدامة وجود البعثة في حال استمرار الجمود السياسي.
انتهاء الولاية.. ماذا يحدث إذا لم يتفق الأعضاء؟
أما في حال استمرار الانسداد، وعدم نجاح المجلس في اعتماد قرار جديد قبل انتهاء الولاية المحددة في القرار 2797، فإن التفويض الممنوح للمينورسو ينتهي اليوم 31 أكتوبر 2026، دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء البعثة ومغادرة جميع أفرادها ومعداتها بشكل فوري في اليوم الموالي.
فانتهاء التفويض يضع الأمم المتحدة أمام ضرورة تحديد الترتيبات الإدارية والعملياتية اللازمة للتعامل مع الوضع الجديد، بما في ذلك مستقبل الأفراد والمواقع الميدانية والمهام التي كانت تضطلع بها البعثة، خصوصا مراقبة وقف إطلاق النار. كما أن طبيعة هذه الترتيبات وتوقيتها تظل مرتبطة بتوجيهات الأمين العام والقرارات التي قد يتخذها مجلس الأمن لاحقا.
وفي هذا السياق، لا تنص المادة 98 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تشير إليها بعض القراءات المتداولة، على إلزام الأمين العام تلقائيا بتجميد عمليات البعثة وسحب أفرادها بمجرد انتهاء ولايتها، بل تتعلق بالوظائف التي يضطلع بها الأمين العام بتكليف من أجهزة المنظمة. وبالتالي، فإن مسألة الانسحاب وترتيبات إنهاء العمليات لا يمكن حسمها بالاستناد إلى هذه المادة وحدها.
الجمعية العامة.. خيار سياسي دون صلاحيات مجلس الأمن
ومن السيناريوهات التي قد تطرح في حال استمرار الخلاف داخل مجلس الأمن، اللجوء إلى آلية “الاتحاد من أجل السلم”، المنصوص عليها في القرار 377 للجمعية العامة، والتي تتيح عقد دورة استثنائية طارئة عندما يعجز مجلس الأمن عن الاضطلاع بمسؤوليته في حفظ السلم والأمن الدوليين بسبب خلاف بين أعضائه الدائمين.
غير أن هذا الخيار يظل مختلفا من حيث طبيعته وصلاحياته عن قرارات مجلس الأمن، إذ يمكن للجمعية العامة إصدار توصيات سياسية بشأن النزاع والدعوة إلى اتخاذ تدابير جماعية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المجلس في إنشاء بعثة لحفظ السلام أو تمديد ولايتها بالطريقة نفسها.
كما أن انعقاد دورة استثنائية طارئة لا يعني تلقائيا إعادة إحياء خيار الاستفتاء أو اعتماد صيغة محددة لتسوية النزاع، لأن مضمون أي قرار سيظل مرتبطا بمواقف الدول الأعضاء والتوازنات داخل الجمعية العامة.
الموقف المغربي.. طي صفحة البعثة نهائيا
في مقابل هذه السيناريوهات، جاء الموقف المغربي واضحا من خلال بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن، والذي اعتبر أن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يشكل تطورا مهما وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأكد البلاغ أن عدم تمديد مهمة البعثة يعني أن وجودها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة، معتبرا أن الأمر يتعلق بطي صفحة امتدت 35 سنة.
ودعا البلاغ إلى وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، بما يعني، وفق الموقف المغربي، إنهاء الاجتماعات الدورية المخصصة للقضية وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي.
وفي الوقت نفسه، شدد المغرب على تمسكه بوقف إطلاق النار واحترام سلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني، مؤكدا استمرار الدينامية الدولية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي قال البلاغ إنها “مكنت من حشد دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية”.


