كشف أنور قورية أن احتجاجات “جيل Z” محلية أفرزتها اختلالات اجتماعية واقتصادية، محذرا من احتمالية استغلالها لخدمة أجندات أو جهات خارجية، كما شدد على ضرورة أن تستعيد الدولة والأحزاب زمام المبادرة وتحتضن هذه الطاقات بدل تركها عرضة للتوجيه أو الاختراق، وسجل أيضا عدم مراعاة المقاربة الأمنية لطبيعة المطالب ولا خصوصية الشباب غير المسيس وغير المؤطر، داعيا الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها السياسية وتقديم استقالتها لحفظ ماء وجهها.
وأبدى الدكتور أنور قورية، وهو خريج الدراسات الاستخباراتية، موقفه من الاحتجاجات التي خاضها شباب “جيلZ”، وكذا المطالب التي رفعوها، كما ناقش جذورها المحلية وإمكانية استغلالها من جهات خارجية، معلقا على الطريقة التي تعامل بها الأمن مع الشباب المحتجين، التي قال إنها لم تراعي خصوصية هذا الجيل، مؤكدا قدرة الدولة على التعامل مع “جيل Z” ومخاطبته بلغته وبأدواته.

وهذا نص الحوار الذي أجراه موقع سفيركم الإلكتروني مع أنور قورية:
ما تعليقك على الاحتجاجات التي تخوضها حركة “GenZ212” وكذا المطالب التي رفعتها؟
-الاحتجاجات التي أطلقها شباب “جيل زد” المنبثقة عن منصة ديسكورد التي تم التعبئة لها افتراضيا، جاءت في سياق وطني يتسم بتفاقم اختلالات اجتماعية واقتصادية تتوزع بين السطحي والعميق، أبرزها أزمة التعليم، ضعف المنظومة الصحية، وإشكالات سوق الشغل، هذه المطالب في جوهرها مشروعة ومرتبطة بحقوق أساسية نص عليها الدستور، ولا يمكن إنكار أنها تعكس إحباط فئة واسعة من الشباب المغربي عامة، اللافت هو أن هذه الحركة الجديدة استوحت مشروعية نشاطها من فضاءات رقمية، بعيدا عن الوسائط التقليدية مثل الأحزاب والنقابات، ما يعكس فقدان الثقة في القنوات الكلاسيكية للوساطة السياسية…
وهل تعتقد أن هذه الحركة جاءت فعلا نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية أم أن هناك جهات أخرى تحركها كما تم تداوله في بعض التدوينات؟
-الأكيد أن جذور جيل “زد” محلية صرفة، رهاناتها مرتبطة بأوضاع معيشية تراها خانقة من منظورها المعرفي (على قدره الممكن) يعيشها المغاربة عموما والشباب خصوصا، لكن لا يمكن إغفال أن طبيعة هذا الجيل، الذي نشأ في كنف الرقمنة وفضاء الانترنت المفتوح والذكاء الاصطناعي، تجعله أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، سواء عبر خطاب شعبوي أو عبر حملات منظمة، قد تكون هناك محاولات لاستغلال هذه الدينامية من أجل خدمة أجندات لا علاقة لها بالمطالب الاجتماعية الأصلية كما تابعنا مع مجموعة جبروت، لذلك فالمسؤولية تقع على مؤسسات الدولة والأحزاب والنخب في استعادة زمام المبادرة واحتضان هذه الطاقات، بدل تركها عرضة للاختراق أو التوجيه الخارجي.
كيف تقيم الطريقة التي تم التعامل بها معهم؟ وهل تعتقد أنها راعت ما يتميز به هذا الجيل من خصوصيات وأساليب تعبير تجعله مختلفا عن الأجيال التي سبقته؟
-للأسف، المقاربة الأمنية أو السلوك الأمني الذي رافق هذه الاحتجاجات اتسم بقدر شبه عالٍ من العنف الذي لم يراعي لا طبيعة المطالب ولا طبيعة المشاركين، نحن نعي جيدا طبيعة المرحلة وتداعيات هذه الاحتجاجات على الأمن والنظام العام بل ونتفهم حساسية السياق وإكراهاته، لكن في نفس الوقت نحن نتحدث عن شباب غير مسيس، غير مؤطر، خرج بدافع الأمل مناشدا المؤسسات التنفيذية للعب دورها في التغيير، فوجد نفسه في مواجهة عنف جسدي واعتقالات طالت الجميع بدون استثناء، هذا التعامل لم يستحضر خصوصية جيل مختلف تماما في أدوات تعبيره وتواصله، جيل يعيش يوميا على منصات التواصل حيث تنتشر صور ومقاطع الفيديو بسرعة قياسية، ما يجعل أي تجاوز أمني يتحول إلى فضيحة رأي عام وهو ما حصل بالضبط، كان الأجدر اعتماد مقاربة استباقية، حوارية وتشاركية، بدل المقاربة الزجرية وحدها، فإذا كان المواطن كيعتبر نفسه اساس الاستقرار فرجال الامن والقوة العمومية مكون حيوي في نفس المنظومة التي تعمد الى ضمان الاستقرار تحت القيادة الرشيدة لملك البلاد محمد السادس نصره الله.
وهل برأيك الدولة في مقدورها أن تتعامل مع هذا النوع المتقدم تكنولوجيا في التعبئة للاحتجاجات؟
-نعم، الدولة قادرة على التعامل مع هذا الجيل الرقمي، لكن ليس فقط بواسطة السلطة الأمنية الفجة والبدائية، المطلوب اليوم هو تطوير آليات إنصات رقمية، واستراتيجية تواصل سياسي جديدة تخاطب هذا الجيل بلغته وبأدواته، وتستحضر القيم التي يؤمن بها، الشفافية، الحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية… في المقابل، على الحكومة المغربية أن تقدم استقالتها حفظا لماء الوجه وتحملا للمسؤولية السياسية التي تثبت المسؤولية التقصيرية في أداء مهامها كسلطة تنفيذية، أما المجتمع المدني والأحزاب السياسية فهم مطالبان بتحمل مسؤوليتهما في استيعاب هذا الجيل، عبر تجديد العرض المدني والسياسي وفتح قنوات تشاركية حقيقية، وإلا ستظل الدولة تركض وراء موجات غضب متكررة بدل استثمارها في بناء الثقة وإرساء الاستقرار.

