بقلم: عمر لبشيريت
انطلق بالعاصمة الإسبانية مدريد العدّ العكسي لأصعب مرحلة تدخلها قضية الصحراء المغربية؛ مرحلة المرور إلى التفاصيل المفصلة لطيّ الملف والوصول إلى تثبيت المقترح المغربي لحلّ النزاع. مرحلة ستكون شاقّة وصعبة. وكما يُقال إن «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فإن المحادثات، كما سماها الراعي الأمريكي، يُنتظر أن تكون أكثر تعقيدًا، وتتطلّب الكثير من الدقّة والحذر، والإمساك بالجزئيات والتفاصيل الصغيرة.
فالمقترح المغربي، المدوَّن في ثلاث صفحات، مطلوبٌ منه أن يخضع لتدقيق وتفصيل وشرح وتحيين أوسع. وفي الصفحات التي سيجري تطويرها وتفصيلها — والتي قيل إنها قد تصل إلى أربعين صفحة — يمكن أن تتسلّل «الشياطين».
المرحلة القادمة، بقدر ما تتطلّب حضورًا وجهدًا دبلوماسيًا، واستثمارًا لاتجاه رياح موازين القوى الدولية الجديدة، ستعرف أيضًا حضور فاعلين أساسيين في ترويض التفاصيل وشياطينها. وليس أقدر على ذلك من خبراء القانون وفقهاء الدستور. لذلك، ستكون الدبلوماسية مسنودة برجال وخبراء القانون. حيث الكلمة والنقطة والفاصلة، توزن بميزان الذهب، وحيث التأويل سلطان لا يقهر.
فما هو محتوى المقترح المغربي «المحيَّن والمفصَّل» الذي سيُقدَّم إلى الأمم المتحدة، كما أعلن عن ذلك خطاب الملك محمد السادس في 31 أكتوبر الماضي؟
يقول الأستاذ محمد الساسي إن التطبيق الحقيقي للحكم الذاتي سيجعلنا عمليًا أمام ملكية برلمانية في الصحراء. هذا التعليق وهذه الملاحظة يبدوان معقولين، ويملكان قدرًا كبيرًا من المشروعية.
لنُفحِص الأمر. إذا أخذنا المقترح المغربي للحكم الذاتي كما قُدِّم إلى الأمم المتحدة، وقرأناه في ضوء دستور 2011، يمكن القول: نعم، جزئيًا، مع بعض التحفّظات. فالمغرب يقترح: برلمانًا جهويًا منتخبًا، حكومة جهوية بصلاحيات تنفيذية واسعة، جهازًا قضائيًا جهويًا، تدبيرًا ذاتيًا للموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفصلًا نسبيًا للسلط. وهي عناصر تُذكّر فعلًا بروح الملكية البرلمانية؛ إذ لا توجد جهة أو إقليم في المغرب يتمتّع بكل هذه الصلاحيات.
وهنا يطرح السؤال التالي: كيف سيكون التحيين والتفصيل الذي سيعرفه المقترح المغربي للحكم الذاتي؟ وإلى أي مدى سيتجه؟ وما هو المحتوى الذي سيُعطى لهذه الصلاحيات الواسعة التي ستتمتّع بها الصحراء؟
هل ستقودنا “التفاصيل” إلى “ملكية برلمانية” بجهة واحدة في المغرب؟ أم إلى لامركزية سياسية مراقبة ومتحكم فيها؟
في سياق ما يقترحه الحل المغربي، وفي انتظار تفاصيل أكثر، قد تصبح الصحراء، المتمتّعة بالحكم الذاتي، الجهة الأكثر تقدّمًا ديمقراطيًا من حيث الصلاحيات وتدبير الموارد، مقارنة بباقي جهات المغرب التي تُدار بمنطق «اللاتمركز الناقص».
هذا اللاتماثل في الصلاحيات والتدبير بين جهة الحكم الذاتي وباقي جهات المغرب، ألا يخلق تناقضًا واضحًا؟
نعم، هو كذلك. فالحكم الذاتي في الصحراء يحمل روحًا برلمانية قد ترقى، أو لا ترقى، إلى ملكية برلمانية، فيما تخضع باقي الجهات لتدبير الولاة والعمّال.
هذا التناقض قد يكون مطلوبًا ديبلوماسيا لحلّ النزاع، وقد يفضي، ربما، إلى إصلاح سياسي واسع. وهو أمر معمول به في نماذج وتجارب دولية متعدّدة. ويمكن توقعه.
في هذا الإطار، يُعدّ النموذج الكندي مثالًا واضحًا لهذا اللاتماثل في الصلاحيات بين الجهات والأقاليم داخل البلد الواحد، مع بعض التحفّظ، ذلك أن المغرب بلد موحّد، فيما كندا دولة فيدرالية.
في كندا، يتمتّع إقليم كيبيك بحكم ذاتي داخل الوحدة. ويتمتّع بسلطات تشريعية وتنفيذية واسعة تجعله أقرب إلى كيان شبه سيادي داخل الاتحاد الكندي (باستثناء العملة، والعلم، والعلاقات الخارجية، والدفاع…).
وهذا التوازن بين «الحكم الذاتي العملي» — وهو شكل من أشكال تقرير المصير داخل الدولة الواحدة — والانتماء الاتحادي، هو ما جعل الفيدرالية الكندية تصمد أمام محاولات الانفصال، وتتحوّل إلى نموذج عالمي في إدارة التعدّد.
وقد طوّر إقليم كيبيك وضعًا خاصًا داخل الفيدرالية من خلال بعض بنود الدستور الكندي واتفاقيات ثنائية مع أوتاوا، ما يجعله مقاطعة ذات امتيازات لا تتوفّر لباقي الأقاليم الأخرى. فالإقليم يمتلك جمعية وطنية (برلمانًا محليًا) وحكومة خاصة به، ويشارك أيضًا في المؤسسات الفيدرالية، ويتوفّر على محاكم محلية وشرطة للمقاطعة، إلى جانب تدبير الموارد الطبيعية والضرائب وقطاعَي الصحة والتعليم وسياسة الهجرة.
ويمكن تأطير فلسفة النموذج الفيدرالي في التجربة الكندية من خلال ما يُعرف بـ«الفيدرالية غير المتماثلة» (Fédéralisme asymétrique)، التي تُعدّ جوهر هذه التجربة.
فلسفة الفيدرالية غير المتماثلة، كما في التجربة الكندية، تقوم على الاعتراف بالاختلاف في توزيع السلطات أو في الوضع السياسي لبعض الوحدات المكوّنة للدولة، وهو ما يسمح لبعض المقاطعات أو الأقاليم بالحصول على صلاحيات أو مكانة مميّزة بسبب خصوصيات ثقافية أو لغوية أو ديموغرافية أو تاريخية.
وقد جعلت هذه الفيدرالية غير المتماثلة الانتماء إلى كندا أكثر قابلية للقبول بالنسبة للناطقين بالفرنسية. وفي هذا الإطار، أصبح تفاوض إقليم كيبيك مع الدولة الفيدرالية من أجل مزيد من التعاون والامتيازات آلية ناجعة، بدل الاصطدام وإشهار ورقة الانفصال.
وبفضل هذا النظام، تحوّلت مطالب كيبيك من الانفصال الكامل إلى المطالبة بصلاحيات أوسع داخل الاتحاد/الدولة.
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل ملاحظة بالغة الدلالة: فـ«الحزب الكيبيكي»، الذي جعل من انفصال كيبيك شعارًا تاريخيًا مركزيًا — وجرّب ذلك عبر استفتاءين شعبيين سنتي 1980 و1995 دون نجاح — يتصدّر اليوم استطلاعات الرأي في الانتخابات البرلمانية المقبلة بأغلبية جد مريحة، غير أن الناخبين أنفسهم يرفضون اقتراحه بتنظيم استفتاء جديد حول الانفصال. وبذلك، تمنحه الكتلة الناخبة الثقة لتدبير الحكومة، لكنها ترفض تكرار مغامرة الانفصال.
ما يهمّنا هنا هو فلسفة نظام اللاتماثل بين الجهات والأقاليم، وكيف تمكّن، في ظل الديمقراطية وتقاسم السلطة، من تجنّب الاصطدام والانفصالات، لا استنساخ النموذج أو إسقاطه على بلد آخر.
ما يقدّمه المغرب في مقترحه هو نموذج من هذا اللاتماثل. غير أن هذا اللاتماثل، وإن كان يقود إلى حلّ نزاع وضمان حقوق ترابية وسيادية، فلا ينبغي أن يتحوّل إلى خلق «مواطنة امتيازية» داخل البلد الواحد، وإلا فإنه سيُحيي مطالب أخرى، ويُحرّك نزعات هوياتية يُنفخ في رمادها من جهات عدّة.
لا يمكن أن نجد أنفسنا غدًا أمام جهة من الوطن تتمتّع بـ«روح برلمانية» في التدبير، وجهات أخرى «يحكمها» الوالي والعامل. لذلك، يجب أن يكون الحكم الذاتي أداة للدمقرطة والإصلاح السياسي، لا مجرّد حلّ دبلوماسي.
فهل ستكون الصحراء مختبرًا دستوريًا وسياسيًا لتطوير نموذج حكم أقلّ مركزية، وإعادة توزيع القرار؟
ننتظر التفاصيل… بدون “شياطين”.

