حذرت النقابة الوطنية للإعلام والصحافة، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من تداعيات المسار التشريعي والانتخابي المرتبط بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. معتبرة أن إصدار القانون التنظيمي وإجراء الانتخابات “بهذه السرعة القياسية”، بالتزامن مع الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر. يشكلان مسارا يهدد استقلالية التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة والنشر.
وفي هذا السياق، ربطت “سفيركم” الاتصال بعبد الواحد الحطابي، الكاتب العام للنقابة، والذي أكد أن إجراء انتخابات المجلس الوطني للصحافة بهذه السرعة، ورفض طلب التنسيق النقابي والمهني تأجيلها، رغم تزامنها مع الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر. يؤكد، وفق المتحدث، أن مسار إعادة تنظيم قطاع الصحافة والنشر يجري وفق توجه يراد من خلاله “الإمساك بتنظيم القطاع” والتحكم في تفاصيل القرار وتحديد مآلاته. واعتبر أن هذا المسار يخدم، “لوبي مصلحي انتهازي لجماعة من الناشرين” تسعى إلى فرض حضورها داخل مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة.
تم خارج الدستور
وأبرز المتحدث أن خطورة الوضع تكمن أساسا في كون ما يجري، حسب تعبيره، تم “خارج الحكومة وخارج المؤسسات الدستورية”. مؤكدا أن النقابة لا تقبل أن يتم حسم المسار التشريعي مسبقا. خصوصا عندما يقال إن مشروع القانون سيمر “كما هو من ألفه إلى يائه دون تعديل”.
وتساءل الحطابي عن دور المؤسسات التشريعية في هذه الحالة. معتبرا أن صدور مثل هذا الموقف من المسؤول الحكومي يعني “تحقيرا للمؤسسات الدستورية”، و”تحقيرا للدولة”, و”تحقيرا للمجتمع ككل”، فضلا عن كونه “تحقيرا للمهنيين”.
المسخ السياسي
وتتطابق هذه الانتقادات مع ما ضمنته النقابة في بيانها من تحميل “الدولة المسؤولية الكاملة في انتهاك حرمة الدستور ومدونة الصحافة والنشر”. ودعوتها إلى وقف “كل أشكال العبث والمسخ السياسي والتطاول والترامي الذي يطال مهنة الصحافة، وكل مظاهر التغول والتحكم والإقصاء”.بما يسمح ببناء تنظيم ذاتي للمهنة “مستقل، تعددي وديمقراطي”.
وأوضح الحطابي أن النقابة ترفض، بشكل خاص، إقصاء الهيئات النقابية والمهنية من إعداد المشروع. قائلا إن إنجاز قانون مهني خارج إطاره ومن دون الاستماع إلى الصحافيين والمهنيين والنقابات والهيئات لا يمكن تفسيره، في نظره، سوى بأنه “تغول، وتحكم، وفرض للأمر الواقع”.
أرضية توافقية
وأضاف أن الأمر يتعلق بـ”مستقبل المهنة”، مشددا على أنه “ما يمكنش لأي صحافي، ولا أي إعلامي، ولا أي حقوقي، ولا أي حد يقبل هذا الشكل” من إعداد المشروع. في وقت تؤكد فيه النقابة أن رفضها للقانون ليس رفضا لمجرد الرفض، وإنما نتيجة لمطالبات متكررة بحوار “حقيقي ومسؤول وشفاف” وإيجاد “أرضية توافقية” حوله.
غير أن الحطابي قال إن الحكومة اختارت، في المقابل، “إقصاء الهيئات النقابية بصفة نهائية”. مضيفا أن هناك، وفق تعبيره، “جهات أخرى تملي هذه القرارات، وأن الحكومة تنفذ هذه الإملاءات”.
تبخيس للعمل الصحفي
وترى النقابة أن خطورة هذا المسار تتضاعف بسبب توقيته. إذ يأتي في الوقت الذي ينشغل فيه الصحافيون والمراسلون بتغطية الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر. وقال الحطابي إن إقحام المهنيين في انتخابات مهنية خلال هذه المرحلة يشكل “تبخيسا للعمل الصحفي”، لأن الصحافيين يمثلون في هذه الفترة “الواجهة الحقيقية لإبداء الرأي والرأي الآخر، والمواقف السياسية والحزبية”.
وأضاف الحطابي، أن موقف المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حظي بتثمين من هيئات سياسية ونقابية ومن الجسم الصحافي والحقوقي والمعارضة البرلمانية. لأنه أظهر أن مشروع القانون “مشروع معيب” ولا يرتقي إلى فلسفة وجوهر التنظيم الذاتي للمهنة.
غير أن النقابة عادت لتستنكر بشدة انخراط المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون القطاع والإشراف على انتخابات مؤسسة التنظيم الذاتي. معتبرة أن ذلك يتعارض، في جوهره، مع الرأي الاستشاري الذي سبق أن أصدرته المؤسستان بشأن المشروع.
صناعة مشهد مبتذل
واعتبر الحطابي أن المفارقة تكمن في أن المؤسستين كشفتا، من خلال رأيهما، عن عيوب وثغرات النص. ثم أصبحتا، حسب تعبيره، جزءا من المسار الذي يجري تنزيله استنادا إلى القانون نفسه.
وقال إن المطلوب كان أن “يتخذ المجلسان موقفا يرقى إلى مستوى مسؤوليتهم الاجتماعية”. بدل المشاركة، وفق تعبيره، في “صناعة مشهد مبتذل ومرفوض لدى كل الجسم الصحافي”.
تبريرات واهية
وتوقفت النقابة كذلك عند طريقة تنظيم الانتخابات، خصوصا ما يتعلق بإقصاء النقابات واعتماد اللائحة الاسمية والانتداب لدى الناشرين. معتبرة أن ذلك يتجاوز مكتسبات الانتخابات السابقة التي كانت تتم باللائحة، سواء بالنسبة للصحافيين أو الناشرين.
وفي هذا الصدد، وصف الحطابي التبريرات المقدمة لتجاوز هذا المكتسب بأنها “واهية، وغير مقبولة”. معتبرا أنها لا تخدم سوى الجهات التي “تسعى إلى التحكم، والتغول، والقبض من حديد على المشهد الصحافي”. وجعل رجال الإعلام والصحافة “مجرد لعبة في رقعة الشطرنج”.


