قال محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، إن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية خلال الانتخابات المقبلة ستتشابه في مجملها، بالنظر إلى استمرارها في التركيز على المطالب الاجتماعية التقليدية. وفي مقدمتها التشغيل والصحة والتعليم. غير أن المستجد الأبرز يتمثل، وفق المتحدث، في تصاعد مطلب محاربة غلاء الأسعار والدفاع عن القدرة الشرائية للمغاربة.
ومع انطلاق الأحزاب السياسية في الكشف عن برامجها، ربطت “سفيركم” الاتصال بمحمد شقير، والذي أكد أن الولاية الحكومية السابقة تميزت، على هذا المستوى، باستياء مختلف شرائح الناخبين من ارتفاع الأسعار. خاصة أسعار المحروقات. وما ترتب عن ذلك من انعكاسات على القدرة الشرائية للأسر. معتبرا أن هذه المسألة ستفرض نفسها بقوة في البرامج الانتخابية وفي عملية مفاضلة الناخبين بين الأحزاب.
وربط الباحث بين ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية وبين ما وصفه بالتداعيات التي ظهرت بشكل واضح خلال عيد الأضحى. مشيرا إلى أنه خلال سنة 2025 جرى إلغاء ذبح الأضحية، فيما واجهت، خلال سنة 2026، فئات هشة وفقيرة صعوبات كبيرة في الحصول عليها.
واعتبر شقير أن محاربة الغلاء ستكون من بين المطالب الأساسية التي ستحدد اختيارات الهيئة الناخبة. خصوصا في ظل استمرار ارتفاع أسعار المحروقات. مشيرا إلى أن وصول سعر البنزين إلى حوالي 15 درهما للتر سيجعل هذا الإشكال مطروحا بحدة خلال الاستحقاق الانتخابي.
وفي السياق نفسه، اعتبر أن المقترحات التي قدمتها بعض الأحزاب، من قبيل التكفل بفواتير الماء والكهرباء التي تقل عن 100 درهم. تدخل ضمن محاولات الإجابة عن مطلب محاربة الغلاء. موضحا أن الأحزاب، ولا سيما المتنافسة على صدارة الانتخابات. ستسعى إلى تقديم آليات مختلفة لمواجهة هذه الظاهرة أو التخفيف من آثارها.
وأبرز شقير أن المنافسة الانتخابية ستشتد بالخصوص حول قدرة كل حزب على إقناع الناخبين بامتلاكه حلولا لمواجهة غلاء الأسعار. بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية لعموم المغاربة.
غير أن البرامج الانتخابية، وفق الباحث، لن تكون العامل الحاسم وحدها في تحديد نتائج الانتخابات. إذ ستلعب طبيعة المرشحين دورا أساسيا. في ظل ما وصفه باستمرار “الشخصنة” في الثقافة السياسية المغربية.
وأوضح أن الناخب لا ينظر فقط إلى الوعود والبرامج، وإنما إلى مدى اقتناعه بأن المرشح الذي سيصوت له قادر على تنفيذ تلك الوعود ويحظى بثقته. معتبرا أن العامل الحاسم سيكون، في هذا الإطار، طبيعة المرشحين الذين سيقدمهم كل حزب ومدى قدرتهم على استقطاب أصوات الناخبين.
وفي هذا السياق، أشار شقير إلى استمرار ظاهرة “الترحال السياسي” أو “الترحال الحزبي”. معتبرا أن الأحزاب تسعى إلى استقطاب مرشحين قادرين على الحصول على ثقة الناخبين. وهو ما يفسر، وفق المتحدث، التركيز على أسماء تمتلك حضورا ونفوذا داخل الدوائر الانتخابية.
ولفت الباحث إلى أن “الأعيان” يشكلون عنصرا أساسيا في المنافسة الانتخابية. مشيرا إلى التنافس الذي شهدته الساحة السياسية حول استقطاب هذه الأسماء. ومستحضرا في هذا الصدد التراشق الذي برز بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
وحسب شقير، فإن حظوظ الأحزاب في الانتخابات ستتحدد أيضا بمدى توفرها على مجموعة من الأعيان القادرين على إقناع الناخبين. والذين يمتلكون شبكات علاقات وموارد مالية. وهي عناصر قال إنها يمكن أن تؤثر بشكل كبير في ترجيح كفة حزب على حساب آخر.
من الوعود الفضفاضة إلى برامج “أرضية”
وبخصوص مدى قابلية البرامج الانتخابية للتنفيذ، يرى شقير أن البرامج في حد ذاتها لا تطرح صعوبة كبيرة. خصوصا أن المطالب التي تتضمنها ترتبط. في جزء كبير منها، بمشاريع وأوراش اجتماعية في مجالات التعليم والصحة ومحاربة الفساد والغلاء.
وأشار إلى أن الأحزاب، خلافا لما كان عليه الأمر في انتخابات سابقة. باتت تتجه نحو تقديم برامج أكثر ارتباطا بآليات ومشاريع قابلة للتنفيذ. عوض الاكتفاء بشعارات ووعود سياسية فضفاضة.
واعتبر أن الانتخابات المقبلة قد تشهد تطورا في طبيعة البرامج الحزبية، من خلال الانتقال من الوعود السياسية الكبرى إلى قضايا “أرضية” مرتبطة بالحياة اليومية للناخب. مضيفا أن الأحزاب، خصوصا المتصدرة للمشهد، أخذت العبرة مما سبق. وأصبحت مطالبة بتقديم برامج يمكن تنفيذها وتنزيلها في الواقع.
محاربة الفساد
وفي ما يتعلق بمطلب محاربة الفساد، اعتبر شقير أن هذا الشعار سيظل حاضرا بقوة في البرامج الانتخابية. لكنه رأى أن تنزيله قد يرتبط أساسا بنوعية المرشحين الذين ستقدمهم الأحزاب.
وأوضح أن الولاية السابقة عرفت متابعة عدد من المنتخبين وملاحقتهم قضائيا وصدور أحكام في حق بعضهم. معتبرا أن محاربة الفساد قد تتجسد، بالنسبة للأحزاب، في اختيار مرشحين لا يثيرون الكثير من الجدل ولا تكون لهم سوابق.
وأشار إلى أن السلطة عملت، في إطار القواعد المنظمة للترشح، على إبعاد أو عدم قبول ترشيح أشخاص لهم سوابق أو سبق الحكم عليهم. معتبرا أن ذلك يندرج ضمن نوع من “الغربلة” التي ستؤثر بدورها في طبيعة المرشحين المشاركين في الانتخابات.
وفي مستوى آخر، ربط شقير ملف الفساد بما شهدته الولاية الحكومية السابقة من قضايا مرتبطة بتضارب المصالح. مشيرا إلى أن بعض الأحزاب تتجه إلى طرح مقترحات تشريعية تستهدف محاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
وخلص الباحث إلى أن محاربة الفساد قد تحضر في البرامج الانتخابية من خلال مستويين أساسيين. أولهما اختيار مرشحين لا تحوم حولهم شبهات أو سوابق. وثانيهما تقديم مشاريع وقوانين تستهدف ملفات الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.


