قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر الجاري، ارتفعت حدة السجال بين مكونات الأغلبية الحكومية الحالية. في مشهد تتراجع فيه لغة “التماسك الحكومي”، التي تم ترديدها لخمس سنوات، لصالح انتقادات متبادلة بشأن الحصيلة والمسؤوليات.
واختار حزب الأصالة والمعاصرة إعادة رسم حدود مسؤوليته عن التدبير الحكومي. حيث أقرت، الثلاثاء فاتح شتنبر الجاري، عضو القيادة الجماعية للحزب، فاطمة السعدي، بأن “الجرار” يتحمل نصيبه من المسؤولية، لكنها رفضت في المقابل تحميل الحزب قرارات قالت إنه لم يكن صاحبها أو توجهات لم يكن وراءها.
وأكدت السعدي أن الحزب عارض في عدد من المحطات، داخل البرلمان وخارجه، قرارات وتوجهات اعتبرها غير صائبة. مشددة على أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة المسار وإعادة ترتيب الأولويات. خصوصا في ملفات التعليم والصحة والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
من جهته يبدو حزب الاستقلال بدوره حريصا على تقديم نفسه بمسافة نسبية عن الحصيلة الإجمالية للحكومة. مقابل التركيز على ما يقترحه للمرحلة المقبلة. حيث برز ذلك في الخطاب الانتخابي لأمينه العام، نزار بركة، الذي غلبت عليه الوعود المستقبلية. والانتقادات لحصيلة خمس سنوات الماضية.
وفي السياق ذاته، وجه رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال، عبد الجبار الراشدي، خلال تجمع حزبي بسلا، الثلاثاء الماضي، انتقادات إلى حصيلة الحكومة. خصوصا في ما يتعلق بملف تضارب المصالح ومسألة دعم الأضاحي.
وتفاعلا مع محاولات التنصل من المسؤولية هذه. يرى الباحث المتخصص في السوسيولوجيا السياسية، عبد المنعم الكزان، أن تبرؤ الأحزاب المشاركة في الحكومة من حصيلتها، بل وانتقادها، يمثل “فعلا غير أخلاقي من الناحية السياسية”.
وأكد الكزان، في تصريح لجريدة “سفيركم”، أن الأحزاب التي شاركت في الحكومة “يجب أن تتحمل مسؤوليتها وتدافع عن حصيلتها”. معتبرا أن ذلك يشكل “واحدة من مرتكزات الديمقراطية، ويمنح المواطنين إمكانيات المحاسبة”.
وشدد الكزان على أن المسؤولية السياسية لا تتجزأ، والأحزاب مطالبة بتحملها بشكل مستمر. لا فقط عندما تكون الحصيلة في صالحها انتخابيا.
وأشار الباحث في السياسات العمومية إلى أن ما نعيشه اليوم “ليست جديدا في هذا المجال”. مستحضرا مواقف سابقة لحزب الاستقلال الذي سبق أن انتقد حصيلة حكومات شارك فيها. وكذلك مواقف التجمع الوطني للأحرار من الحكومتين اللتين قادهما حزب العدالة والتنمية وشارك فيهما.
ويفسر الكزان هذه المواقف بكون الأحزاب “تحاول لعب دور المعارضة وخلق نوع من البوز السياسي”. عبر تحميل الآخرين مسؤولية النتائج السلبية. في مقابل نسب النتائج الإيجابية إلى نفسها.
وشدد الأستاذ الجامعي على أن الأحزاب مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة. خصوصا أن “الأغلبية داخل البرلمان هي التي تمرر قوانين المالية. وهي التي تصوت لصالح ما تتقدم به الحكومة”.
وذكّر الكزان بأن القرارات الحكومية لا تصدر بمعزل عن مكونات التحالف، بل يتم اتخاذها “بالتشاور فيما بينها”. وهو ما يجعل محاولة الفصل الكامل بين مسؤوليات أطراف الأغلبية أمرا صعبا من الناحية السياسية.
وفي المقابل، أكد الكزان أن هذه الممارسات لا تمر من دون كلفة على صورة السياسة في المغرب. معتبرا أنها “تزيد من إفقاد ثقة المواطنين في السياسة والانتخابات والأحزاب”.
وتابع الكزان، “الثابت اليوم هو أن المغاربة ساخطين على الأحزاب السياسية”. وأن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تعمق هذا السخط وتزيد المسافة بين الناخب والمؤسسات الحزبية.
ولا تبدو هذه المواجهة منفصلة عن صراعات انتخابية أخرى بين مكونات الأغلبية. إذ انتقل الخلاف بين “البام” و”الأحرار” أيضا إلى ملف الترشيحات. حيث دخل الحزبان في سجال بشأن بعض المرشحين، بينما جاءت تصريحات رشيد الطالبي العلمي خلال اجتماع المكتب السياسي لحزبه لتزيد من حدة النقاش. قبل أن يرد عليها فوزي لقجع، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين “الحلفاء الخصوم”.
محمد الطوبي


