تتجه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المرتقب إجراؤها يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، في ظل ما قد تفرزه من تحولات في موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ. وما يمكن أن يترتب عنها من انعكاسات على توجهات الإدارة الأمريكية في عدد من الملفات الخارجية، وفي مقدمتها العلاقات مع المغرب وقضية الصحراء.
وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة للرباط، بالنظر إلى النقاش المتصاعد داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية بشأن تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. إلى جانب التطورات الأخيرة التي شهدها الملف داخل مجلس الأمن. وما رافقها من مواقف أمريكية وروسية بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو”.
وبين احتمال احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم داخل الكونغرس أو تمكن الديمقراطيين من استعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما. يطرح سؤال تأثير هذه التحولات على الموقف الأمريكي من قضية الصحراء. ومدى قدرة الأغلبية الجديدة على التأثير في توجهات الرئيس دونالد ترامب خلال ما تبقى من ولايته.
مبادرات داخل الكونغرس لتصنيف البوليساريو.. تحرك عابر للحزبين
شهد الكونغرس الأمريكي خلال الفترة الماضية تحركات تشريعية تستهدف الدفع نحو تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. وهي مبادرات شارك في تقديمها أو دعمها أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. بما يعكس وجود اهتمام داخل المؤسسة التشريعية بهذا الملف، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي شامل بشأنه.
ومن بين هذه المبادرات مشروع القانون H.R.4119، الذي تقدم به النائب الجمهوري جو ويلسون خلال سنة 2025. إلى جانب مشروع H.R.9982. الذي بادر إليه النائب الديمقراطي جوش غوتهايمر سنة 2026فضلا عن مشروع S.4063 الذي تقدم به السيناتور الجمهوري تيد كروز داخل مجلس الشيوخ.
وتكتسب هذه المبادرات أهميتها من كونها لا تقتصر على أعضاء الحزب الجمهوري، بل تشمل أيضا نوابا ديمقراطيين. وهو ما يفتح المجال أمام قراءة التحرك باعتباره جزءا من نقاش يتجاوز الانقسام الحزبي التقليدي في واشنطن. خصوصا في ظل ارتباط الملف بتوازنات إقليمية وعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها في شمال إفريقيا.
غير أن وجود هذه المشاريع داخل الكونغرس لا يعني أنها أصبحت قرارات أمريكية نافذة، كما أن توقيع عدد من النواب أو السيناتورات عليها لا يرقى إلى مستوى تبني المؤسسة التشريعية بكاملها لهذا التوجه. فالمشاريع تظل مبادرات تشريعية تحتاج إلى استكمال المسار الدستوري والقانوني. من خلال المناقشة والتصويت والمصادقة وفق الإجراءات المعمول بها.
كما أن تصنيف منظمة أجنبية منظمة إرهابية لا يتم بمجرد صدور موقف سياسي أو توقيع برلماني. إذ يخول القانون الأمريكي لوزير الخارجية اتخاذ قرار التصنيف. بالتشاور مع وزير الخزانة والمدعي العام، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في التشريع الأمريكي.
ماذا لو تغيرت معادلة الكونغرس الأمريكي؟
يطرح احتمال انتقال الأغلبية داخل مجلسي الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية. خاصة أن تركيبة الكونغرس تؤثر في قدرة الرئيس على تمرير خياراته التشريعية والمالية، وفي مستوى الرقابة التي يمارسها المشرعون على عمل الإدارة.
وفي هذا السياق، يرى أحمد بوز، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، أن احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، أو على أحدهما على الأقل، يظل واردا بقوة. معتبرا أن تحقق هذا السيناريو سيجعل تحركات الرئيس دونالد ترامب أكثر احتسابا، ويدفعه إلى البحث عن التفاوض والتوافق مع الكونغرس في عدد من الملفات، سواء الداخلية أو الخارجية.
وأوضح بوز في تصريح لموقع “سفيركم”، أن صناعة القرار في السياسة الخارجية الأمريكية ليست اختصاصا حصريا للرئيس. رغم ما يتمتع به من هامش واسع للمبادرة، مبرزا أن الكونغرس يتوفر بدوره على صلاحيات مؤثرة. من بينها سلطة المصادقة على الميزانيات والاعتمادات المالية، والتحكم في تمويل التدخلات العسكرية، والمصادقة على المعاهدات الدولية، فضلا عن ممارسة الرقابة على عمل السلطة التنفيذية.
وبخصوص انعكاس أي تغيير في الأغلبية البرلمانية على قضية الصحراء، استبعد أستاذ القانون العام والعلوم السياسية أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى مراجعة الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. مشددا على ضرورة التمييز بين الموقف الأمريكي المعلن بشأن السيادة المغربية. وبين مستوى الاهتمام الذي توليه واشنطن للملف وطريقة تدبيره دبلوماسيا وسياسيا.
وفي هذا الإطار، أشار بوز إلى أن الاعتراف الأمريكي الذي أعلنه الرئيس السابق دونالد ترامب في دجنبر 2020. لم تتراجع عنه إدارة جو بايدن رسميا خلال فترة توليها السلطة. وهو ما يجعل احتمال حدوث مراجعة جذرية لهذا الموقف بسبب تغير الأغلبية داخل الكونغرس أمرا غير محسوم.
واعتبر المتحدث أن التحولات السياسية داخل واشنطن قد تؤثر، مع ذلك، على درجة الاهتمام الأمريكي بالقضية. وعلى ترتيبها ضمن أولويات السياسة الخارجية، فضلا عن طبيعة الضغوط والتحركات الدبلوماسية المرتبطة بها.
وتأتي هذه القراءة في سياق التطورات التي شهدها الملف خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر، وما رافقها من مواقف داخل مجلس الأمن بشأن بعثة المينورسو. إلى جانب الموقف الروسي من مشروع القرار الأمريكي، وهي مستجدات تجعل الرهان المغربي منصبا على ضمان استمرار الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بالقضية. وتعزيز حضوره داخل المؤسسات الأمريكية، بدل ربطه حصرا بموقف رئيس أو أغلبية حزبية بعينها.
لا تغيير مرتقب في الموقف الأمريكي خلال العامين المقبلين
وفي قراءة موازية لاحتمالات تأثير انتخابات التجديد النصفي على العلاقات المغربية الأمريكية، قلل مصدر مطلع تحدث لـ«سفيركم» من حجم التغييرات التي يمكن أن تطرأ على هذا الملف خلال العامين المقبلين. معتبرا أن انتقال الأغلبية داخل أحد مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين لن يؤدي بالضرورة إلى تحول ملموس في السياسة الأمريكية تجاه المغرب.
وقال المصدر إن الرئيس دونالد ترامب سيظل، خلال هذه الفترة، متمتعا بصلاحيات تنفيذية واسعة، بما فيها الصلاحيات المرتبطة بالسياسة الخارجية. وهو ما يجعل تأثير نتائج انتخابات التجديد النصفي على توجهات الإدارة الأمريكية محدودا، في تقديره.
وأضاف المصدر ذاته، أن من حسن حظ المغرب أن قضية الصحراء خرجت، حتى الآن على الأقل، من المظلة الدولية. معتبرا أن هذا التطور قد يساهم في تقليص انعكاسات التغييرات السياسية داخل المؤسسات الأمريكية على مسار الملف خلال المرحلة المقبلة.
وبخصوص التحركات الرامية إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. رجح المصدر أن يظل هذا الاحتمال مستبعدا للغاية في حال تمكن الديمقراطيين من استعادة السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس. بالنظر إلى ما قد يفرضه ذلك من توازنات سياسية وتشريعية جديدة أمام الإدارة الأمريكية.
ومع ذلك، لم يستبعد المصدر إمكانية لجوء ترامب إلى إصدار أمر تنفيذي يستهدف التنظيم. موضحا أن مثل هذا الإجراء سيظل مختلفا من حيث طبيعته وآثاره عن التصنيف الذي يتم وفق المسطرة القانونية المنصوص عليها في التشريع الأمريكي. مشيرا إلى احتمال الطعن فيه أمام المحاكم الفدرالية من قبل الأطراف المعنية، بحسب الأساس القانوني الذي سيستند إليه الإجراء وطبيعته.
وخلص المصدر إلى أن المشهد لا يرجح حدوث تغيير يذكر في الموقف الأمريكي تجاه المغرب خلال العامين المقبلين على الأقل. حتى في حال أفرزت انتخابات التجديد النصفي تحولا في موازين القوى داخل الكونغرس.


