بقلم: حسن حمورو
عاد الوزير الاتحادي السابق جمال أغماني، في حوار صحفي مع “سفيركم”، لإحياء رواية قديمة حول الانتخابات الجزئية لسنة 1999 بدائرة سلا المزرعة، مدعيا أن “جهة ما” داخل الدولة مهدت الطريق لـعبد الإله بنكيران من أجل الظفر بمقعد برلماني، ومستندا في ذلك إلى عدم ترشح الشخص الذي كان قد طعن في انتخابه سنة 1997، مع الإشارة إلى أن عبد الرحمان اليوسفي رحمه الله أخبره، بحسب روايته، بأن الأمر يتعلق بجهة “أكبر من السلطة المحلية بسلا”.
المثير في الأمر ليس فقط مضمون هذه الاتهامات، بل توقيتها أيضا، حيث يبرز السؤال، لماذا يتذكر أغماني اليوم، وبعد ما يقارب عقدين من الزمن، هذه الرواية التي سبق أن رددها في مناسبات سابقة، دون أن يقدم بشأنها دليلا سياسيا أو قانونيا مقنعا، ولماذا يعاد نبش هذه المرحلة بالذات، بعد أن أصبح انتخاب بنكيران سنة 1999 محطة بارزة في في تاريخ المشاركة السياسية لجزء من الحركة الإسلامية المغربية.
لقد شكل ذلك الفوز البرلماني بداية حقيقية لاندماج سياسي واسع لتيار اختار العمل من داخل المؤسسات، قبل أن يقود لاحقا إلى تصدر حزب العدالة والتنمية للمشهد السياسي، ثم تولي بنكيران رئاسة الحكومة لولاية كاملة، حقق خلالها حضورا شعبيا قويا، أعقبه تجديد ثقة الناخبين في الحزب لولاية ثانية.
ولذلك فإن محاولة تصوير تلك المحطة وكأنها مجرد ترتيب خفي، ليست قراءة سياسية او تاريخية بريئة، بل اختزال تعسفي لمسار سياسي واجتماعي معقد صنعته التحولات التي عرفها المغرب، وصنعته أيضا صناديق الاقتراع.
ثم كيف لوزير سابق أن يشكك عمليا، في نزاهة مؤسسات دستورية، وفي مقدمتها المجلس الدستوري الذي أصدر قرارا يقضي بإلغاء انتخاب أغماني سنة 1997 وتجريده من صفة نائب برلماني؟
فإذا كان الرجل يريد اليوم الإيحاء بأن “جهة ما” تدخلت لصالح بنكيران سنة 1999، فالأجدر به أن يعيد تذكير الرأي العام بحيثيات القرار الدستوري نفسه (رقم 99/272) الذي كشف اختلالات شابت العملية الانتخابية، من بينها ما ارتبط بتشكيلة عدد من مكاتب التصويت، وقرارات تمديد التصويت في بعض المكاتب.
هذا القرار لم يكن مجرد تفصيل في عملية التصويت، وإنما وثيقة سياسية وقانونية تكشف مع من حاولت بعض دوائر السلطة المحلية الاشتغال آنذاك، ومن استفاد فعليا من اختلالات العملية الانتخابية، لذلك يبدو غريبا أن يتحول من جُرد من مقعده بقرار دستوري إلى موقع المشكك في نزاهة المسار كله.
وبنفس منطق أغماني نفسه، يمكن لأي متابع أن يذهب بعيدا في التأويلات، وأن يقول مثلا إن استوزاره لاحقا في حكومة عباس الفاسي ربما كان بدوره ترضية من طرف “جهة ما”، لكن الفرق بين النقاش السياسي الرصين وخطاب التلميحات، هو أن الديمقراطيين الحقيقيين لا يبنون مواقفهم على الإشاعات والإيحاءات، بل على الوقائع وقرارات المؤسسات.
المؤسف أكثر في التشكيك بأثر رجعي، الذي خاض فيه أغماني، هو الزج باسم الزعيم اليوسفي رحمه الله، في مثل هذه السجالات السياسوية، فالراحل ظل في الوعي الوطني، أحد رموز الانتقال الديمقراطي والتوافق السياسي، ولم يكن في حاجة إلى أن يُستدعى اسمه اليوم لإضفاء شرعية على روايات غير موثقة وغير صحيحة، ومن الوفاء لمساره وتاريخه أن يُصان اسمه من التوظيف في معارك سياسية متأخرة.
إن الديمقراطية لا تُختزل في قبول نتائج الانتخابات حين تكون لصالح طرف دون آخر، ثم التحول إلى التشكيك بالتصريح او التلميح، حين تتغير موازين السياسة، وما يحتاجه المغرب اليوم ليس إعادة إنتاج خطاب الارتياب والمؤامرة، بل ترسيخ الثقة في المؤسسات، واحترام ذكاء المواطنين الذين يدركون جيدا أن التحولات السياسية الكبرى، لا تصنعها جهة غامضة مهما بلغ نفوذها، بل تصنعها الديناميات المجتمعية والإرادة الشعبية.

