بقلم: عبد الحق غريب
خلال ما يقارب الأربعة أشهر التي عاشت فيها المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية (ENSA) التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير على وقع أزمة ما بات يعرف بملف “رسوب 124 طالبا”، تحول هذا الملف من مجرد خلاف بيداغوجي إلى قضية رأي عام جامعي ومحلي، تعددت بشأنها الروايات وتباينت القراءات.
فبين من اعتبر الطلبة وأسرهم ضحايا مسار غير منصف، ومن تمسك بسلامة النتائج واحترام الضوابط البيداغوجية، اتسع هامش التأويل، وكثر القيل والقال، وتناقلت الأوساط الجامعية والمحلية أسئلة وقصصا لم تجد، إلى حدود الساعة، أجوبة رسمية حاسمة.
فالقضية لم تعد مجرد نتائج امتحان، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى وضوح المساطر، واحترام القانون، وصلابة القرارات، وقدرة المؤسسة على تدبير الأزمات بشفافية تطمئن جميع الأطراف.
وبهذا المعنى، فإن ملف “رسوب 124 طالبا”، تلاه إنجاح 99 منهم بعد حوالي خمسة أشهر من الاحتجاجات، لم يعد مجرد محطة عابرة في مسار المؤسسة، بل أصبح قضية تستوجب قراءة دقيقة ومسؤولة.
وقبل التوقف عند تفاصيل هذه الأسئلة التي تستأثر باهتمام الرأي العام الجامعي والمحلي، لا بد من استحضار السياق العام الذي أحاط بالملف:
تم الإعلان عن نتائج الامتحانات للموسم الجامعي 2024-2025 بENSA أكادير خلال شهر يوليوز 2025.. هذا الإعلان أعقبه جدل واسع وضجة كبيرة داخل الأوساط الجامعية وخارجها، خاصة ما يتعلق بنتائج السنة الثانية من السنتين التحضيريتين.
ومنذ بداية الموسم الجامعي 2025-2026، عاشت المؤسسة على إيقاع أزمة غير مسبوقة، تمثلت في احتجاجات الطلبة وأوليائهم، دامت حوالي أربعة أشهر، وشملت مقاطعة الدراسة، وتنظيم وقفات احتجاجية، ولجوء نحو 95 طالبا إلى القضاء. هذا الأخير قال كلمته في هذا الملف وفق ما قضى به حكمه الصادر في الموضوع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قرار المحكمة قضى بإلغاء الإعلان عن نتائج الامتحانات النهائية للسنة الثانية من الأقسام التحضيرية، وليس إلغاء النتائج نفسها، خلافا لبعض القراءات المتداولة. وهو تمييز قانوني مهم له آثار بيداغوجية وإجرائية مختلفة.
وتنفيذا لقرار المحكمة، التزم الأساتذة المعنيون بمقتضياته، وهو ما تُرجم في عقد لجنة المداولات خمس مرات بدعوة من إدارة المدرسة.
إلا أن هذه الاجتماعات لم تتمكن من إيجاد حل، بالنظر إلى أن الطلبة ال124 الراسبين لا تتوفر فيهم الشروط الثلاثة المتلازمة المنصوص عليها في الملف الوصفي ودفتر الضوابط البيداغوجية، والتي يجب توفرها مجتمعة لاستيفاء السنة (المعدل العام للسنة يفوق أو يساوي 10/20 + ألا تقل أي نقطة من نقط الوحدات عن النقطة الإقصائية (7/20) + استيفاء 8 وحدات من أصل 12).
وفي ظل هذا الانسداد، وبعد اجتماعات لجنة المداولات ومجلس المؤسسة دون التوصل إلى حل، تم إعفاء المدير بالنيابة وتعيين مدير جديد بالنيابة، سبق أن تولى تسيير المؤسسة بين 2013 و2022. وقد ربطت بعض القراءات هذا التغيير الإداري بطبيعة المرحلة وما رافقها من تباين في وجهات النظر بشأن سبل تدبير الملف.
وفي أول يوم له بالمدرسة، ترأس المدير بالنيابة الجديد اجتماعا لمجلس المؤسسة يوم الاثنين 2 فبراير الجاري، تم خلاله اتخاذ عدة مقررات، من بينها مقرران أثارا جدلا قانونيا وبيداغوجيا واسعا داخل الأوساط الجامعية.. ويتعلق الأمر بالمقرر رقم 1 والمقرر رقم 2، كما ورد في محضر الاجتماع.
ينص ملخص هذين المقررين على اعتماد المعدل العام السنوي (10/20) كشرط وحيد لاستيفاء السنة بالنسبة للسنة الثانية من السنتين التحضيريتين، وتعليق العمل، بصفة استثنائية، بالنقط الموجبة للرسوب (أقل من 7/20). وهذا يعني عمليا إمكانية نجاح الطالب حتى في حال عدم استيفائه للشروط الثلاثة المنصوص عليها في النصوص البيداغوجية.
بعد يومين من اجتماع مجلس المؤسسة، وتحديدا يوم الأربعاء 4 فبراير، تم الإعلان عن إنجاح 99 طالبا من أصل 124، استنادا إلى هذين المقررين.
بناء على ما سبق، تُثار أسئلة مشروعة حول إنجاح 99 طالبا دون استيفاء الشروط المنصوص عليها في النصوص البيداغوجية، من أبرزها:
1- هل يملك مجلس المؤسسة صلاحية تعديل أو تعطيل مقتضيات بيداغوجية منصوص عليها في الملف الوصفي ودفتر الضوابط البيداغوجية؟ وما حدود اختصاصه في هذا الباب؟
2- إذا كانت لجنة المداولات قد عجزت عن إيجاد حل يحترم النصوص التنظيمية، وإذا كان المفتش العام للوزارة، مرفوقا بلجنة، قد اطلع على أوراق الامتحانات واستمع إلى الأساتذة المعنيين بالنقط الموجبة للرسوب دون تسجيل أي اختلالات في التصحيح أو التنقيط، فعلى أي أساس استند مجلس المؤسسة لاتخاذ قراراته؟ وما الذي تغير بعد اجتماع 2 فبراير؟
3- ما مآل تقرير المفتشية العامة في ظل ما يُتداول عن وضعية النقط الموجبة للرسوب، والنقط المرتفعة التي بلغت 20/20 في بعض المواد، إضافة إلى موضوع الساعات الإضافية والدعم خارج الإطار الجامعي؟
4- إذا كان المفتش العام للوزارة قد قام بزيارة مركز (…) بأكادير في إطار مهام البحث والتفتيش، فما هي نتائج هذه الزيارة؟ وهل تم التحقق من المعطيات المتداولة بشأن تلقي بعض الطلبة من بين ال124 الراسبين ساعات إضافية في المركز نفسه لدى أساتذة تابعين للمؤسسة؟
وفي حال ثبوت ذلك، هل تم التدقيق في مدى استحقاق النقط الممنوحة، بما فيها النقط الكاملة (20/20)، ومدى احترامها للضوابط البيداغوجية؟
5- بحسب المعطيات المتداولة والتي تحتاج إلى توضيح رسمي، يُقال إن بعض الطلبة من بين ال99 الذين تم الإعلان عن إنجاحهم لا يستوفون معدل 10/20. في هذا السياق، يتساءل الرأي العام كيف تم إنجاح هؤلاء الطلبة؟ وهل يعني ذلك أن بعض حالات الإنجاح تمت خارج مقتضيات مقررات مجلس المؤسسة نفسها؟
6- في ظل ما يُتداول، دون تأكيد رسمي، حول احتمال وجود طلبة من أبناء جهات نافذة ضمن المعنيين، ورغم التعليل المعلن بكون القرار يهدف إلى ضمان مصلحة الطلبة والسير العادي للمؤسسة، هل ستعمد هذه الأخيرة إلى تقديم مزيد من التوضيح بشأن الأسس التي اعتمدت في اتخاذ قرار الإنجاح، بما يقطع مع أي تأويل محتمل، إن صحت المعطيات، حول تأثيرات خارج المعايير القانونية والبيداغوجية المؤطرة؟
7- هل اتخذت رئاسة الجامعة الإجراءات القانونية اللازمة بشأن ما تم تداوله حول دخول بعض آباء وأولياء الطلبة إلى قاعة المداولات، وما رافق ذلك من توتر وتهديد داخل الفضاء المخصص للاجتماع أثناء مزاولة الأساتذة مهامهم؟
ختاما
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف أشخاصا، ولا يتضمن اتهامات، بل يندرج في إطار نقاش عمومي مشروع حول قرارات ذات أثر أكاديمي ومؤسساتي.
والإجابة الواضحة والمسؤولة عنها تبقى السبيل الأنجع لتنوير الرأي العام، ووضع حد للقيل والقال الذي رافق هذا الملف، بما يُنهي الجدل ويحصن المؤسسة ويصون الثقة في الجامعة العمومية.

