أعلنت لجنة المبادرة المواطنة لتسقيف أسعار المحروقات وكسر الاحتكار وحماية القدرة الشرائية، عن إطلاق عريضة وطنية تروم تسقيف أسعار المحروقات، معتبرة أن ذلك يشكل خطوة عاجلة لوضع حد لما وصفته بـ”التحرير العشوائي” الذي أثقل كاهل المغاربة منذ سنة 2015، حيث أكدت اللجنة أن مطلبها يتمثل في تحديد سقف للأسعار بما يحمي القدرة الشرائية ويحد من هوامش الربح المفرطة، في ظل معطيات تفيد بتمرير سريع للزيادات الدولية مقابل بطء أو غياب انعكاس الانخفاضات، وهو ما يكشف اختلالا بنيويا وغيابا لرقابة فعالة.
وفي هذا السياق، أجرت “سفيركم” حوارا مع منسق المبادرة، عبد العاطي أربيعة، للوقوف على خلفيات هذه الخطوة ومطالبها.
ماهو سياق إطلاق هذه المبادرة وما خلفياتها؟
-تندرج هذه المبادرة في سياق دولي متقلب ومعقد، لم يبدأ اليوم، بل يعود إلى سنوات، خاصة منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015 وإخراجها من صندوق المقاصة. وقد تعاقبت منذ ذلك الحين أزمات كبرى، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا، وصولا إلى التوترات الحالية المرتبطة بالحرب على إيران، وكلها عوامل أثرت بشكل مباشر على سوق الطاقة العالمية.
غير أن الإشكال في المغرب لا يرتبط فقط بالعوامل الخارجية، بل يتفاقم بسبب طريقة تدبير قطاع المحروقات داخليا، حيث نسجل غيابا واضحا للمنافسة، ووجود تفاهمات ضمنية بين الشركات الفاعلة بشأن الأسعار وهوامش الربح، إلى جانب ضعف دور الحكومة في المراقبة الصارمة. كما أن توقف نشاط التكرير الوطني، بعد تعطيل مصفاة “سامير”، حرم البلاد من آلية مهمة لحماية القدرة الشرائية وضمان الأمن الطاقي.
وقد أدى هذا الوضع إلى تضرر كبير للمواطن المغربي، خاصة مع توالي الزيادات، التي قد تدفع الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 20 و30 درهما للتر، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية. لذلك ارتأينا، كفاعلين، أن الوقت قد حان للتدخل وعدم الاكتفاء بالمراقبة.
ما هي الحلول التي تقترحونها لتجاوز هذه الأزمة؟
-نحن لا نكتفي بالتشخيص، بل نقدم مقترحات عملية قابلة للتنفيذ. في مقدمة ذلك، ضرورة تفعيل خلاصات مجلس المنافسة، الذي أقر بوجود أرباح غير مشروعة حققتها شركات المحروقات، بلغت مليارات الدراهم في فترة وجيزة. كما نؤكد على ضرورة اضطلاع الدولة بدورها في حماية القدرة الشرائية للمواطنين وفق ما ينص عليه الدستور.
ومن بين الحلول التي نقترحها، اعتماد آليات عملية لتسقيف الأسعار، بما يسمح بخفضها إلى حوالي 10 دراهم للتر في مرحلة أولى، وهو تقدير مبني على معطيات دقيقة، مع إمكانية النزول إلى حدود 8 دراهم في حال إعادة تشغيل مصفاة “سامير”.
كما ندعو إلى تحديد هوامش الربح بشكل واضح، وكسر حالة الاحتكار التي يعرفها القطاع، حيث يهيمن عدد محدود من الشركات على السوق، مع شبه تطابق في الأسعار، وهو ما يضر بمبدأ المنافسة ويثقل كاهل المستهلك.
هناك نقاش حول حالة من تضارب المصالح بين أطراف حكومية في قطاع المحروقات وتعطيل آليات الرقابة، ما تعليقكم على ذلك؟
-مسألة تضارب المصالح ليست جديدة، فقد أثيرت منذ سنوات، خاصة بعد تسجيل أرباح كبيرة وغير مبررة من طرف بعض الشركات، قدرت بحوالي 17 مليار درهم، دون أن يتم تفعيل آليات المحاسبة، بما في ذلك رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق آنذاك.
الإشكال الأكبر يتمثل في غياب إطار قانوني واضح يؤطر تضارب المصالح، وهو ما يحد من فعالية الرقابة ويجعل المؤسسات الدستورية، مثل المجلس الأعلى للحسابات، تكتفي بإصدار التقارير دون أثر فعلي على أرض الواقع.
كما نثير إشكالية المخزون الاستراتيجي، الذي ينص القانون على ضرورة أن يغطي 60 يوما من الاستهلاك. فإذا كان هذا المخزون متوفرا، فلماذا تنعكس الزيادات الدولية فورا على الأسعار الوطنية؟ وإذا لم يكن متوفرا، فذلك يعكس تقصيرا في أداء مهام المراقبة.
ومن جهة أخرى، نسجل مفارقة واضحة: الأسعار ترتفع بسرعة عند الزيادات الدولية، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة عند تراجعها، بدعوى اقتناء المحروقات بأسعار مرتفعة، رغم أن الزيادات غالبا ما تستند إلى مخزون تم اقتناؤه بأسعار أقل، وهو ما يطرح علامات استفهام حول شفافية القطاع.
ما تقييمكم لإجراءات الدعم التي تقدمها الحكومة، وما الخطوات المقبلة للمبادرة؟
-نعتبر أن الدعم الموجه لقطاع النقل غير كاف، ولا يرقى إلى معالجة جوهر المشكلة، بل يشكل في نظرنا التفافا على المطالب الأساسية. هذا الدعم لا يصل بشكل مباشر إلى المواطن، بل تستفيد منه فئات محددة، في حين يظل السائقون والمواطنون الحلقة الأضعف. كما أن التجارب السابقة أظهرت أن هذا النوع من الدعم لم ينعكس على انخفاض أسعار المواد الأساسية، التي واصلت الارتفاع بشكل ملحوظ.
لذلك، نؤكد أن الحل يكمن في إجراءات بنيوية، على رأسها تسقيف الأسعار، وتحديد هوامش الربح، وإعادة تشغيل مصفاة “سامير”.
أما بخصوص الخطوات المقبلة، فقد شرعت اللجنة في إعداد العريضة عبر المنصة الرسمية للديمقراطية التشاركية، وسنعلن قريبا عن طرق التوقيع، سواء بصيغة إلكترونية أو ورقية، خلال ندوة صحفية، في أفق تعبئة واسعة للمواطنين دفاعا عن قدرتهم الشرائية ووضع حد للاختلالات التي يعرفها القطاع.

