كشفت حفريات أثرية في الدنمارك عن موقع ضخم لإنتاج النسيج يعود إلى عصر الفايكنغ، في اكتشاف يعزز فرضية أن مجتمعات الفايكنغ لم تكن قائمة فقط على الغزو والتجارة. بل امتلكت أيضًا اقتصادًا إنتاجيًا منظمًا على نطاق واسع.
وأعلن خبراء من Moesgaard Museum العثور على الموقع في منطقة سوفتن قرب Aarhus، شمال شبه جزيرة يوتلاند، على مساحة تقارب 100 ألف متر مربع. وهي مساحة استثنائية لموقع إنتاجي يعود إلى ما بين 600 و950 ميلادية. أي أواخر العصر الحديدي وبدايات عصر الفايكنغ.
ويضم الموقع منطقة مخصصة لمعالجة الكتان، إلى جانب أكثر من 80 منزلاً حفريًا. وهي أكواخ شبه غائرة في الأرض استخدمت في تلك الحقبة كورش للعمل وأماكن للسكن.
إنتاج نسيجي واسع وتنظيم اقتصادي معقد
كما أوضحت عالمة الآثار Liv Stidsing Reher-Langberg، التي قادت أعمال التنقيب لمدة عشرة أشهر، أن الموقع يتميز بتركيز واضح على إنتاج النسيج. وهو ما يجعله مختلفًا عن معظم المستوطنات المعروفة من الفترة نفسها.
وعثر الباحثون على أدوات مرتبطة مباشرة بصناعة الأقمشة. بينها دوارات غزل وأنوال مثقلة بالأوزان. وهي مؤشرات قوية على وجود نشاط صناعي منتظم داخل المنازل الحفرية.
كما كشفت الحفريات عن عملات فضية وخرز زجاجي وقطع فخارية. ما يعزز فرضية أن الموقع لم يكن معزولًا، بل كان جزءًا من شبكة تبادل أوسع.
مركز إنتاج تحت سلطة نخبة نافذة
وأظهر توزيع المباني وجود مناطق منفصلة للإنتاج والحرف، إلى جانب منزل سكني رئيسي واحد فقط، وهي معطيات تشير، بحسب علماء الآثار. إلى أن عمليات الإنتاج كانت تدار على الأرجح تحت إشراف شخصية نافذة تمتلك سلطة على الموارد وسير العمل.
كما أشار المؤرخ Kasper Andersen إلى أن هذا الاكتشاف يضيف “قطعة جديدة من اللغز” لفهم البنية الاقتصادية والسياسية والثقافية للمنطقة خلال عصر الفايكنغ.
ويكتسب الموقع أهمية إضافية بالنظر إلى قربه من Aarhus. التي كانت تعرف تاريخيًا باسم أروس، وشكلت آنذاك مركزًا للسلطة الملكية والتجارة الدولية.
وفي العام الماضي، اكتشف علماء الآثار أيضًا موقعًا آخر في Lisbjerg. على بعد 4 كيلومترات فقط. يرجح أنه كان مقرًا لطبقة أرستقراطية محلية.
الفايكنغ… أبعد من صورة “المحاربين البرابرة”
ويدفع هذا الاكتشاف إلى مراجعة الصورة النمطية السائدة عن الفايكنغ بوصفهم مجرد غزاة ومحاربين.
فبحسب الباحثين، فإن وجود موقع إنتاج نسيجي بهذا الحجم يفترض وجود سلسلة إنتاج منظمة، وسوق واسعة لتصريف المنتجات، إضافة إلى بنية اجتماعية قادرة على إدارة العمالة والموارد.
كما أكد أندرسن أن من غير المنطقي أن يكون إنتاج بهذا الحجم موجهًا فقط للاستهلاك المحلي. مرجحًا أن منسوجات سوفتن كانت تدخل في شبكات تجارية دولية أوسع بكثير من حدود المنطقة.
كما يعزز ذلك قراءة جديدة لعصر الفايكنغ، الممتد بين 793 و1066 ميلادية، باعتباره حقبة جمعت بين الغزو والتجارة والإنتاج الصناعي المنظم. لا مجرد عصر حملات عسكرية وتوسع بحري.

