بقلم: مريم أبوري
لم تعد موجات الحرارة مجرد خبر عابر يمر سريعا في نشرات الطقس على شاشات القنوات الفرنسية، بل تحولت إلى خبر رئيسي لأزمة وطنية عرت الواقع الاجتماعي للفرنسين، ووضعت السياسيين في مرمى انتقادات لاذعة من قبل مواطنين غاضبين من سوء تدبير الأزمة. لقد تحول صيف فرنسا و باقي البلدان الأوروبية، إلى كابوس سنوي متكرر، بعد أن قفزت درجات الحرارة إلى عتبة أربعين مئوية في جل الأقاليم.
تتجاوز هذه الموجة الحارة تأثيرها اللحظي على الأجساد، بل تلقي بظلالها على المناخ و البيئة؛ إذ تعيش الغابات الفرنسية حالة استنفار قصوى بسبب الجفاف الشديد وانخفاض رطوبة التربة، مما يرفع من خطر اندلاع الحرائق الكارثية، ناهيك عن التراجع الحاد في مخزون المياه الجوفية، والذوبان السريع لما تبقى من ثلوج على القمم الجبلية.
أما المشهد الاقتصادي فهو الآخر ليس بأفضل حال من تأثير موجة الحرارة؛ حيث يتلقى القطاع الزراعي ضربات مباشرة تتجلى في تلف المحاصيل وتراجع الإنتاج الحيواني .
ولم تسلم قطاعات البناء والخدمات من تراجع الإنتاجية، في وقت تواجه فيه شبكات الطاقة ضغوطا كبيرة لتلبية الطلب المتزايد على التبريد، قد تصل إلى اضطرار بعض المحطات النووية لتقليص إنتاجها بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في تبريد مفاعلاتها.
أما على المستوى الاجتماعي والنفسي، فهذه الموجة تخنق يوميات الفرنسيين، فحرمانهم من النوم المريح يرفع معدلات القلق والاضطرابات النفسية، ما يترجم تصاعد وتيرة العنف والمشاحنات داخل البيوت وفي الأماكن العامة. وتشتد وطأة الاختناق على الفئات الهشة صحيا، لاسيما كبار السن و الأطفال، مما يضع المستشفيات تحت ضغط كبير يجعلها عاجزة عن تقديم خدمات جيدة للأفواج التي تتوافد عليها.
ولعل المتضرر الأكبر من هذه الموجة هم سكان الضواحي المكتظة، الذين يقطنون بيوتا غير مؤهلة لتحمل هذه الظروف المناخية الصعبة.
ونتيجة هذا الوضع قد انفجرت موجة غضب عارمة في صفوف المواطنين ضد المسؤولين والسياسيين والوزراء الذين يعيدون مع كل موجة حر نفس الأسطوانة في وسائل الإعلام، و يعطون نصائح يجدها الشارع “بليدة” ومستفزة من قبيل: (اشربوا الكثير من الماء، اغلقوا النوافذ نهارا، وابقوا في الظل…). هذا الخطاب أصبح يثير السخرية والتذمر، إذ يتساءل المواطنون بمرارة : كيف لشرب الماء أن يحل أزمة غياب أجهزة التكييف في المستشفيات ، والمدارس، و القطارات ودور الرعاية …؟ وكيف لإغلاق النوافذ أن يحمي عمالا يضظرون للعمل تحت الشمس الحارقة لتأمين رواتبهم؟! وذلك في غياب حلول جذرية مثل : إعادة التخطيط العمراني للمدن، ودعم العزل الحراري للمباني…مما يفضح كيف يكتفي الساسة بإلقاء المسؤولية على كاهل المواطنين من خلف منصات واستوديهات مكيفة.
ويبقى السؤال الحارق للفرنسيين، أين ذهبت أموال” يوم التضامن من أجل استقلالية كبارالسن”؟ وهو اليوم الذي فرضته الحكومة كإجراء إلزامي بعد فاجعة صيف 2003 التي حصدت أرواح ألاف الفرنسيين. حيث يعمل الموظفون يوما في السنة بدون أجر، لتذهب مداخيله إلى صندوق دعم كبار السن وتأهيل المؤسسات لمواجهة أزمات الموجات الحرارية التي لم تعد استثنائية.
يتساءلون : أين ذهبت أموال هذا الصندوق المتراكمة منذ اكثر من عشرين سنة، في حين لا تزال دور الرعاية والمستشفيات تعاني من وطأة نقص التجهيزات و أنظمة التبريد الأساسية عند كل ازمة سواء حرارية أو غيرها؟
ويبقى الاحتباس الحراري حسب علماء المناخ هو المحرك الأساسي لهذه الموجات الحرارية التي باءت تضرب فرنسا وأروبا بشكل مبكر ومتكرر، إذ اصبحت تبدا من شهري ماي ويونيو و تمتد حتى شتنبر.
وتتحمل الدول المسؤولية الكبرى في هذه الأزمة المناخية، بسبب تباطؤها في تنفيذ التحول الطاقي، واستمرار اعتمادها على النفط و الغاز والفحم، ومحاباة الشركات العالمية والكبرى على حساب التزاماتها البيئية. و ثمة غياب صارخ لسياسات التكيف المناخي؛ إذ تكتفي الحكومات بردود الفعل الآنية والترقيعية، بدلا من الاستثمار الحقيقي في تبريد المدن والقرى، وتغيير مواد البناء، ودعم القطاعات الأكثر تضررا.
فبعد أن كان المواطن الفرنسي يتابع تقارير التغير المناخي كأرقام مجردة لا تعنيه مباشرة في جلسات الأمم المتحدة، أصبح اليوم ضحية تكتوي بنتائج هذا التحول في عقر داره ومقر عمله، ويحترق بلهيب الحرارة و يختنق بالفجوة التي تتسع بينه وبين سياسيين يكتفون بكل عنجهية وفوقية بترديد نصيحة :(اشربوا الماء).

