بقلم: عمر لبشيريت
يعد الفيديو الذي نشره حميد المهداوي، واطلع عليه الجميع، فضيحة كبيرة بكل المقاييس. فضيحة تكشف الوضع المتردّي الذي وصل إليه الإعلام ببلادنا، وتفضح المتحكّمين فيه وفي المجلس الوطني للصحافة.
لم يكن الفيديو الذي بثّه حميد المهداوي مجرد مشهد عابر في زحام المحتوى الرقمي، بل كان لحظة تعرّت فيها بنية إعلامية بأكملها، وسقطت معها آخر الأقنعة. لم يكن الأمر فضيحة شخصية ولا حادثاً معزولاً، بل مرآة كاشفة لحقيقة التردّي الذي بات يلتهم ما تبقى من سمعة المهنة وهيبتها
يقدّم الفيديو صورة واضحة عن كيفية تدبير شؤون الإعلام في هذا البلد، ويمنحنا أجوبة شافية حول أسباب التردّي والسقوط والانحراف الذي بلغه الإعلام المغربي.
الأخطر ممّا شاهدناه وسمعناه، هو أنّ نفس “الشُلّة” التي أسقطت الإعلام المغربي وعمّقت أزمته، هي ذاتها التي يُجرى إعداد القوانين على مقاسها لتمكينها من الاستمرار في تخريب المشهد الإعلامي. إنّ العقلية والثقافة اللتين رأينا كيف تديران شؤون الصحافة، وعاينا إلى أين أوصلتاها، يجري اليوم التهييء لمنحهما مزيداً من التغوّل… إننا بصدد تغوّل التغوّل.
ما شاهدناه يلخّص كل شيء، ولا حاجة بعده إلى التحليل أو التشخيص أو المرافعة. كان المشهد مُقزِّزاً، عارياً، مفضوحاً.
وحـميد المهداوي ليس سوى “بروفة” حيّة لهذا السقوط المدوي، ونموذجاً للدرك الأسفل الذي وصل إليه الإعلام المغربي. المشكلة لم تكن يوماً في حميد المهداوي؛ مشكلته أنه كان “جثة الضحية” التي طبّق عليها “حكماء” مجلس الصحافة تقنياتهم وثقافتهم في تشريح أوصال الإعلام المغربي.
لو كان المهداوي يُنتج “الزليج” بالمواصفات التي يرغب فيها “الحكماء”، لكان نموذجاً يُحتفى به في مجال الإعلام، ولتمّ تمكينه من ريع الإعلام العمومي، وربما نُصّب إلى جانب “حكماء” الإعلام بالمغرب.
ولو كان ينتج “الزليج”، لما تردّد مهاجموه، الذين يشنّون عليه الحملات تلو الحملات، في استضافته بصفته “محلّلاً”، ولا في نشر وتقاسم فيديوهاته.
والدليل، أنّ عدد “المؤثرين” و”اليوتيوبرز” والمواقع التي تُفسد الذوق العام، ولا تتردّد في مهاجمة حتى وزير العدل ومسؤولي السلطة القضائية، لا يُعدّ ولا يُحصى. لكن لا أحد يشهر في وجوههم “تاهركاويت”، ولا أحد يعاتبهم أو يفضحهم. والسبب بسيط: لأنهم ينتجون صباح مساء نوعاً من “الزليج” الذي يروق جهات كثيرة ويرضيها.
لو غيّر المهداوي خطابه، لما صار هدفاً، ولما جرى إزعاجه. فالذين يعددون عيوبه ويصنعون منه فزاعة وخصماً وعدواً، وخائنا كانوا سيحوّلونه بين عشية وضحاها إلى “بطل” و”حامي للجدار” و”مدافع شرس” عن المهنة… لو نطق فقط بلغتهم.
لذلك قلناها مراراً: الدرك الأسفل الذي وصلنا إليه لم يتسبّب فيه المهداوي ولا غيره، بل تلك النماذج التي جرى تنصيبها على رأس الإعلام المغربي.
هذه هي الحصيلة، وهذه هي الثقافة التي تحكّمت في تدبير الإعلام. وهذا هو النموذج الذي يُراد تقويته وتشجيعه على مزيد من التغوّل.
لا أظنّ أنّ ما شاهدناه جاء نتيجة تسريب نابع من صحوة ضمير. ما شاهدناه هو تسريب يعكس مستوى التفسّخ، وحروب المواقع، والضربات تحت وفوق ووسط الحزام بين مكوّنات “حكماء الإعلام” نعم… “الحكماء”.
وما شاهدناه ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، وما خفي أعظم وأفدح.
في الحقيقة، ما عرضه حميد المهداوي قد يكون بمثابة آخر جرس إنذار للصحافيين وتنظيماتهم، بأنّ معركة تحرير الإعلام وإسقاط الفساد الإعلامي أصبحت اليوم أكثر من مُلِحّة. فالنموذج الذي شاهدناه يُراد تعزيزه بـ”دوباج” قانوني يمنحه مساحات أوسع للتحكّم والتغوّل.
وغداً، سيُنتج هذا المشهد “فرانكنشتاين” أشد فظاعة، وفق مشروع القانون الخاص بمجلس الصحافة. وغداً سيصبح الصحافيون تحت رحمة نفس “الباطرونا”: في جرائدهم وفي مجلس الصحافة أيضاً.
وما شاهدناه ينهي، بصورة درامية، “كاسيط” التنظيم الذاتي للصحافيين وأغنية الإصلاح. فالمضمر في مشروع قانون مجلس الصحافة هو ما شاهدناه في فيديو المهداوي، مضاعفاً مائة مرة. إنه، باختصار، جريمة.
هذه اللحظة يجب أن تكون جرس إنذار لا يخطئ. لأنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة قطاع، بل أزمة ثقة في مؤسسات يفترض أن تحمي المهنة لا أن تُجهِز عليها. وأزمة عقلية وثقافة أعطيت لها كافة الإمكانيات والصلاحيات لتدبير شؤون الصحافيين، وها نحن، الآن، نتفرج على الكارثة. والرهان اليوم هو إنقاذ الإعلام من السقوط الكامل… قبل فوات الأوان.

