تتجه الأنظار في المغرب نحو إرساء نموذج خاص للتعامل مع الثورة التكنولوجية، حيث شدد محمد توفيق مولين، المدير العام للمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، على حتمية بناء حكامة للذكاء الاصطناعي تتسم بالسيادة والاستباقية. وأكد مولين، خلال ندوة دولية بجامعة فاس، أن هذه التكنولوجيا يجب أن تظل وفية للخصوصيات الوطنية والقيم المغربية، مع ضرورة إشراك الجامعات والمقاولات والمواطنين في صياغة استخداماتها المستقبلية.
ويأتي هذا التحرك في ظل سياق دولي مضطرب، حيث يرى مولين أن الذكاء الاصطناعي يمتلك وجهين؛ فإما أن يكون جسرًا للحوار بين الحضارات، أو أداة لتأجيج النزاعات الجيوسياسية والثقافية إذا لم يخضع لضوابط أخلاقية صارمة.
أخلاقيات كونية لمواجهة الكراهية
ودعا المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية إلى تأسيس حكامة دولية شاملة، لا تقصي أحداً وتضمن إدماج تعدد اللغات والمرجعيات الثقافية في تصميم الخوارزميات. وفي هذا الصدد، أبرز مولين ضرورة توجيه هذه الأنظمة لتعزيز الترجمة وتداول المعرفة والحفاظ على التراث الإنساني، مع فرض رقابة صارمة على التطبيقات التي قد تغذي خطاب الكراهية أو التلاعب بالمعلومات واستقطاب المجتمعات.
كما ركزت المداخلات على أهمية تطوير “تربية نقدية” لدى المواطن المغربي، تمكنه من التمييز والمسؤولية في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن الهدف ليس مجرد التقنين التقني، بل ضمان بقاء التقدم في خدمة الإنسان وصون “الخيرات المشتركة” بين الشعوب.
الرهان على الرأسمال البشري
من جانبه، وصف عمر الفاسي الفهري، أمين السر الدائم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، الذكاء الاصطناعي بأنه التكنولوجيا الأكثر تأثيراً في التاريخ الحديث، مشبهاً أثرها بظهور الكهرباء والإنترنت. وأوضح الفهري أن الرهان المغربي في هذا المجال يتجاوز ما هو تقني إلى ما هو استراتيجي وحضاري، مما يستدعي تحقيق سيادة علمية كاملة على المعطيات والبنيات التحتية الرقمية.
وخلصت النقاشات بلقاءات الجامعة الأورومتوسطية، المنظمة بشراكة مع تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، إلى أن ثروة الأمم في العصر الجديد لن تُقاس بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على تكوين عقول بشرية قادرة على ابتكار وتدبير تكنولوجيات المستقبل، وهو ما يشكل جوهر المشروع المجتمعي الذي يسعى المغرب لترسيخه.

