لفتت الفنانة المغربية هاجر الشركي الأنظار، بعد مشاركتها بدور “غيثة” خلال موسم رمضان المنصرم، من خلال مسلسل “بنات لالة منانة”.
وتحدثت هاجر الشركي في هذا الحوار مع موقع “سفيركم”، عن تجربتها في المسلسل، وعلاقتها بشخصية “غيثة”، كما كشفت جوانب من مسارها بين المسرح والغناء، وتوقفت عند رؤيتها للغياب عن الشاشة.
حدثينا عن مشاركتك في مسلسل “بنات لالة منانة”
-أعتبر مشاركتي في مسلسل “بنات لالة منانة” فرصة مهمة قربتني من الجمهور، من خلال شخصية “غيثة”. وقد فتح لي الباب على مصراعيه ليتعرف علي الجمهور أكثر، ليس فقط من خلال هذا الدور، بل أيضا كهاجر الشركي.
إلى أي حد تشبه هاجر الشركي شخصية “غيثة”؟
-أتقاسم مع “غيثة” عددا من الصفات، في مقدمتها الروح المرحة وحب الغناء التي ميزتها، وهي صفات رافقتني منذ الصغر. كما يجمعني بها أيضا الرغبة الدائمة في مساعدة الآخرين ولو بأبسط الإمكانيات. وقد بدا واضحا خلال المسلسل، أن “غيثة” تحاول مساعدة ودعم بنات “لالة منانة”، على رغم ما تعيشه من ظروف صعبة كأم مطلقة تعيل ابنتها بمفردها. وهذا الجانب الإنساني يعجبني كثيرا في شخصيتها، لأنه يشبهني إلى حد بعيد، فأنا بدوري أحرص دائما على مساعدة عائلتي ومحيطي بما أستطيع، وإن كان ذلك أحيانا على حساب راحتي الشخصية.
لكن في المقابل، لا أشبه لشخصية “غيثة” في جانبها الفضولي، فهي متعطشة دائما لمعرفة أسرار الناس وشغوفة بتفاصيل حياتهم، وهو أمر بعيد تماما عن طبعي كهاجر، فعلى العكس، أنا لا أحب تتبع أخبار الآخرين أو التدخل في خصوصياتهم.
هل ترين أن شخصيات المسلسل عكست هوية المرأة الشفشاونية؟
-في نظري، أرى أن شخصيات مسلسل “بنات لالة منانة”، عكست هوية المرأة الشفشاونية بشكل خاص، والمرأة المغربية بشكل عام. ففي كل بيت مغربي، نجد المرأة المندفعة وسريعة الغضب مثل “بهية”، والمرأة العفوية وطيبة النية مثل “رحيمو”، والمرأة الرقيقة والرومانسية مثل “شامة”، وأحيانا المرأة المرحة والفضولية مثل “غيثة”.
أما شخصية “لالة منانة” فجسدت جانبا حقيقيا من ملامح المرأة الشفشاونية، فهي تبدو صارمة وقاسية في تعاملها مع بناتها، لكنها في العمق، تخفي قدرا كبيرا من الخوف عليهن والحرص على حمايتهن. وهذا حال الكثير من الجدات الشفشاونيات، خاصة في فترة زمنية سابقة، لأننا اليوم أصبحنا نرى جدات أكثر عصرية وانفتاحا.
لاقت الفرقة النسائية الشفشاونية إعجاب الجمهور وتفاعل بشكل واسع مع أغانيها، ما السبب في نظرك؟
-كما نعلم، يتميز المغرب بموروث ثقافي ولغوي غني، إذ تنفرد كل جهة أو منطقة بهوية خاصة من حيث التقاليد والعادات والخصوصيات الفنية. ومدينة شفشاون، على الخصوص، هي مدينة تتسم بطابع صوفي عريق، منذ عهد مولاي علي بن راشد وابنته السيدة الحرة، حيث اعتاد سكان المنطقة على التغني بالمديح والسماع والحضرة الشفشاونية. ومن بين هؤلاء والدتي، التي تترأس فرقة للحضرة الشفشاونية، وتغني في الأعراس وحفلات العقيقة.
وفي المسلسل، لم يكن المشهد ليكتمل دون إبراز اللهجة السائدة في المنطقة، وما تحمله من غنى وخصوصية، إلى جانب المرور على هذا الموروث الفني الأصيل المتمثل في الحضرة الشفشاونية. وأعتقد أن ذلك شكل إحدى نقاط قوة المسلسل، لأن الجمهور، وإن كان على دراية بهذا اللون الفني، إلا أن العمل ساهم في تقريب هذا التراث منه بشكل أكبر.
وأرى أن نجاح الحضرة الشفشاونية في لفت انتباه الجمهور ونيل إعجابه، يعود بالأساس إلى حبنا الكبير لهذا الفن، إلى جانب الاستعداد المسبق والتدريبات المتكررة، تحت إشراف خبراء ومختصين في المجال، حتى نتمكن من تقديم قصائد منه على امتداد حلقات المسلسل، ما أضفى على العمل روحا صوفية خاصة ومميزة.
أما مشاركتي في الفرقة النسائية، لم تكن مجرد تمثيل أو تجسيد دور فني، بل كانت تجربة نابعة من عمق شخصي ووجداني، فقد ترعرعت وسط أصوات نسائية جميلة، وتعلمت أساسيات هذا الفن على يد جدتي، التي كانت بدورها تغني ضمن الفرقة، وكانت أيضا الصديقة المقربة لأيقونة الحضرة الشفشاونية، الحاجة براقة.
هل ترين أن اختيار الممثلين من أبناء شفشاون ساهم في نجاح العمل؟
-طبعا، فقد ساهم اختيار ممثلين من أبناء المنطقة بشكل كبير في نجاح العمل، ولم يكن ذلك سهلا، إذ استغرقت عملية الانتقاء وقتا طويلا امتد لأشهر. كما حرص كتاب السيناريو، على وجه الخصوص الممثلتان نورة الصقلي وسامية أقريو، على التنقيب عن أسماء فنية تتمتع بالمصداقية إلى جانب إتقان اللهجة. لذلك، فإن أغلب المشاركين في المسلسل هم ممثلون ينحدرون من شفشاون وتطوان وطنجة.
في المقابل، شهد العمل أيضا مشاركة أسماء فنية من خارج المنطقة الشمالية، قادمة من الرباط والدار البيضاء، مثل غيثة كيتان ويزيد مدين. وهنا لم يعد معيار الاختيار مقتصرا فقط على إتقان اللهجة، بل شمل أيضا عامل الشبه والفئة العمرية. وأعتقد أن اختيار الممثلين، بصفة عامة، كان موفقا، وهو ما ساهم في نجاح المسلسل.
ما سبب غيابك عن الشاشة؟
-ظهوري على الشاشة يظل قليل جدا، حتى أكاد أقول إنه منعدم، غير أن هذا الأمر لا يعود إلي، لأني حاضرة بقوة وباستمرار على خشبة المسرح، فأنا خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، ومنذ تخرجي سنة 2010، وأنا حاضرة بشكل دائم في المسرح، إذ أشارك بعرض أو عرضين في الشهر، إلى جانب إنتاج مسرحي كل سنة، وغالبا ما تكون بأدوار رئيسية. هذه التجارب مكنتني من التتويج بعدة جوائز، من بينها جائزة أحسن ممثلة مغربية في المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي بتطوان، إضافة إلى تنويهات وجوائز أخرى داخل الوطن وخارجه.
أما بالنسبة للشاشة، فإن حضوري فيها يبقى رهينا باقتراح من مخرج أو منتج يكون قد شاهد أدائي فوق الخشبة خلال أحد عروضي المسرحية. وبصراحة، لا أملك جوابا دقيقا عن هذا السؤال، لأنني معروفة لدى أغلب المخرجين والمنتجين، إلى جانب عدد من الفنانين أصدقائي في الوسط.
ولا أنكر أنني توصلت بعروض كان بعضها لأدوار باهتة، وأحيانا لأدوار جميلة لكن بمقابل مادي بخس جدا، لا يليق بقيمة الفنان ولا بحجم الجهد الذي يبذله. وهذا الأمر قد يكرس، للأسف، صورة غير حقيقية داخل الوسط الفني، إذ يروج بعض المخرجين، بقصد أو من دونه، أنني أطالب بمقابل مادي مرتفع، بينما الحقيقة هي أنهم لا يذكرون أنهم عرضوا مقابلا هزيلا لا يرقى إلى قيمة العمل الفني ولا إلى مكانة الفنان.
وفي نظري، فإن أي فنان، سواء كان معروفا أو في بداية الطريق، وسواء كان موهوبا بدرجة كبيرة أو ما يزال في طور إثبات ذاته، يستحق فرصة حقيقية للظهور وإبراز إمكانياته الفنية.
الجمهور قال إنك مظلومة فنيا، ما رأيك؟
-سأكون محايدة وأتكلم عن هاجر الشركي بشكل موضوعي، نعم أرى أنها مظلومة فنيا، لأنها فنانة مجتهدة، وحاضرة بقوة في العروض المسرحية، وتبذل جهدا كبيرا، كما أن أغلب أعمالها ناجحة، لكنها في المقابل تظل غائبة عن الشاشة.
بصراحة، لا أعلم اليوم ما هي المعايير الحقيقية لاختيار الفنان، خصوصا بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الفنان، في كثير من الأحيان، يقاس بعدد متابعيه وحضوره الرقمي، أكثر مما يقاس بموهبته وتكوينه الدراسي وتجربته في المجال.
لذلك، أرى أن هاجر الشركي مظلومة فنيا، وبجعبتها الكثير لتقدمه، لكنها ما تزال تنتظر فرصا أكبر تليق بإمكانياتها الفنية ومسارها.
بعد دور “غيثة”، هل يمكن أن نرى هاجر في أعمال كوميدية؟
-في المسرح أغلب الأدوار التي قدمتها كانت كوميدية، رغم أن مشروع تخرجي من المعهد كان في دور درامي أو تراجيدي إن صح التعبير. وبعد تخرجي كنت أظن أن توجهي الفني سيكون نحو الدراما، لكن وجدت نفسي أمام عروض كوميدية أكثر.
والحقيقة أن هذا اللون يشبهني كثيرا، ويظل قريبا من طبعي وشخصيتي، خاصة أن الأعمال الكوميدية تجمع بين عدة ألوان فنية، مثل الرقص والغناء، وهي عناصر أجدها منسجمة مع واقعي وطبيعتي كهاجر الشركي.
بما أنك ابنة الخشبة، هل تفضلين الارتجال في بعض المشاهد أم الالتزام الحرفي بالنص؟
-صراحة، انا على عكس عدد كبير من الممثلين أبناء الخشبة، أحب الالتزام بالنص، لكن إذا سمح المخرج بمساحة للارتجال، فأنا أحب أن أبدع داخل تلك المساحة. وهذا ما حدث بالفعل في مسلسل “بنات لالة منانة”.
وقد أحببت كثيرا طريقة اشتغال سامية أقريو ونورة الصقلي على مستوى الكتابة، لأن نصهما كان جميلا ومصقولا بعناية. وفي الوقت نفسه، فتحتا مساحة صغيرة للإبداع، سواء في طريقة الأداء أو في اعتماد جملة أو كلمة تتكرر على مدار المسلسل، لتترك بصمة خاصة للشخصية لدى الجمهور.
أما في المسرح، فهناك عروض قد تجعلك تستغني عن النص بشكل شبه نهائي، لأن مفاتيح الارتجال يملكها المسرحيون أكثر، بحكم طبيعة الخشبة والتفاعل المباشر. على عكس الاشتغال في التلفزيون، الذي يفرض في الغالب التزاما أكبر بالنص واحترام تفاصيله.
كيف كان الانتقال من خشبة المسرح إلى الغناء؟
-لم يكن هناك انتقال بالمعنى الحرفي، لأن الغناء كان دائما جزء مني، فبعد أن تربيت عليه منذ صغري، على يد والدتي وجدتي، رافقني في جميع مراحل مشواري، بدء من دراستي في المعهد وتخرجي، مرورا بعروضي المسرحية، ووصولا إلى غنائي لشارة سلسلة “مولات السعد” ومشاركتي في مسلسل “بنات لالة منانة”.
لكني منذ حوالي سنتين، بدأت أفكر في منح الغناء مساحة مستقلة عن التمثيل، خصوصا بعد اشتغالي على مشروعي الجديد، وهو فيلم وثائقي بعنوان “سفر الصوت”، تزامن مع مرحلة مهمة في حياتي، تمثلت في حصولي مؤخرا على شهادة الماجستير في مسرح الثقافة الفنية والرقمية.
هذا المشروع بالنسبة لي ليس مجرد عمل فني، بل هو رحلة في الذاكرة، واحتفاء بتراثنا الشفهي والثقافي، خاصة بمدينة شفشاون ونواحيها، بكل ما تحمله من غنى روحي وفني وإنساني. ومن خلال “سفر الصوت”، أطمح لأن يكتشفني الجمهور من زاوية أخرى، هي زاوية هاجر الشركي المغنية.

