تشهد مدينة المضيق هذه الأيام فاجعة بيئية من العيار الثقيل، حيث تباشر عملية تنقية حوض ميناء الصيد من الرمال المتراكمة والزيوت والأسلاك والمواد الصلبة، في إطار ما يُفترض أنه “صيانة دورية” للحوض البحري. غير أن ما يجري على أرض الواقع يتنافى تماماً مع القواعد القانونية والبيئية الجاري بها العمل، إذ يتم التخلص من هذه النفايات السامة بإفراغها مباشرة في البحر، على بعد يقارب ميلين بحريين غرب الرأس الأسود، وهو موقع يُعدّ من أغنى المصايد بالنسبة للصيد التقليدي جريمة بيئية في حق الحياة البحرية.
القانون المغربي، كما المواثيق الدولية، يُلزم الجهات الوصية باعتماد طرق آمنة في تدبير النفايات البحرية، خاصة تلك الملوثة بالزيوت والمعادن الثقيلة، لما تمثله من خطر مباشر على الكائنات البحرية وعلى توازن المنظومة البيئية. غير أن ما يحدث بالمضيق اليوم يشكل خرقاً واضحاً لهذه الالتزامات، ويؤسس لما يمكن اعتباره جريمة بيئية مكتملة الأركان، ترتكب في وضح النهار دون أي تدخل يذكر من السلطات المحلية أو الجهوية.
المؤسف أكثر، أن هذه الانتهاكات تتزامن مع مفارقة صارخة في الميناء الترفيهي المجاور “مارينا قابيلا”، حيث تُستخرج الرمال “الذهبية” من حوض الميناء وتُنقل إلى اليابسة لتُباع في مقالع غير قانونية بأثمنة مرتفعة تتجاوز 500 درهم للمتر المربع، في غياب تام لأي التزام بإرجاعها إلى البحر كما تنص عليه دفاتر التحملات والقوانين التنظيمية للموانئ الترفيهية.
وعود حكومية سابقة لم تجد طريقها إلى التنفيذ
نشطاء البيئة بالمضيق سبق أن وثّقوا هذه الممارسات ووجّهوا مراسلات رسمية منذ عهد حكومة عبد الإله بنكيران، حيث عُقد اجتماع داخل ديوان رئاسة الحكومة خُصص لمناقشة هذه الخروقات، وتعهدت الحكومة حينها بإلزام كل الموانئ باحترام دفاتر التحملات:
طمر النفايات الخطيرة المستخرجة من أحواض موانئ الصيد في اليابسة.
إعادة الرمال البحرية المستخرجة من الموانئ الترفيهية إلى مواضعها الأصلية.
لكن رغم هذه الالتزامات، عادت الأمور إلى سابق عهدها، واستمر الإضرار بالبيئة البحرية في غياب المراقبة والمحاسبة، وكأن منطقة المضيق خارج نطاق سلطة القانون البيئي الوطني.
تهديد مباشر للثروة السمكية ولمصدر عيش الصيادين
تداعيات هذا الوضع لا تتوقف عند تلوث البحر، بل تمتد إلى تهديد مباشر للثروة السمكية وللقوت اليومي لعشرات الصيادين التقليديين الذين يعتمدون على هذه المصايد. كما أن استمرار تفريغ النفايات في الأعماق يعمق من أزمة التلوث البحري ويقوض الجهود الوطنية الرامية إلى حماية البيئة البحرية ومواجهة آثار التغير المناخي.
دعوة إلى فتح تحقيق عاجل ومساءلة المتورطين
المنظمات البيئية والحقوقية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التحرك العاجل والمطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل في هذه الخروقات الجسيمة، مع تفعيل مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب في الجرائم البيئية، انسجاماً مع ما ينص عليه القانون الإطار رقم 99.12 المتعلق بالميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية.
إن حماية البيئة ليست خياراً ثانوياً، بل التزام وطني ودستوري، ومسؤولية جماعية تفرض على الدولة وأجهزتها الحرص على ضمان الحق في بيئة سليمة ومتوازنة كما نص عليه الفصل 31 من الدستور المغربي.
محمد بنعلي

