بقلم: المقدم عبد الرحيم*
جيل Z بين متغيرات العصر وأزمة الانتماء
لم يعد تشكل وعي الأجيال الجديدة خاضعا لنفس القواعد التي سادت في العقود الماضية. فاليوم، تتحكم في هذا الوعي أنماط مغايرة، تصوغها متغيرات عابرة للحدود، لا تخضع لسلطة الدولة ولا لتأثير المثقف أو السياسي أو حتى المرجعيات الدينية التقليدية. لقد كان المثقف فيما مضى موجها للرأي العام، والسياسي مؤثرا في مسار المجتمع، والزوايا الصوفية ضابطة للنفس، والمساجد منابر لتوجيه الشباب، والإذاعة والتلفزة العمومية أدوات فاعلة في بناء الانتماء، والأسرة حاضنة أساسية للتربية وضبط السلوك. لكن كل تلك الأدوات فقدت بريقها أو تراجع تأثيرها أمام قوة الانفتاح العالمي وتغلغل الوسائط التكنولوجية، حيث باتت المنصات الرقمية اليوم هي الفضاء الأول الذي يصوغ وعي الشباب ويوجه اهتمامهم.
في ظل هذا الواقع، برز جيل جديد يطلق على نفسه تسمية جيل Z، جيل يتشكل خارج الأطر الكلاسيكية، ويستمد مشروعيته من ذاته، دون أن يجد مرجعيات جامعة أو أفقا واضحا يوجه بوصلته. هو جيل يؤمن بأفكاره الخاصة، التي قد تبدو في كثير من الأحيان غامضة أو مبعثرة، ومع ذلك يتمسك بها بعناد، حتى ولو كان الثمن هو الانزلاق إلى العنف، أو الدخول في مواجهات غير محسوبة مع مؤسسات الدولة.
ورغم محاولات متكررة لهندسة وعي هذا الجيل عبر المنظومة التعليمية، أو عبر صناعة رموز شبابية وفنية وإعلامية تحاول ملء فراغ التأطير، بل وحتى من خلال أدوات الترفيه الجماعي على شاكلة ما يقدمه بعض المؤثرين والفنانين، فإن النتيجة لم تكن كما توقعت الدولة. فقد نسج هذا الجيل مساره الخاص من تداخلات معقدة: ثورة رقمية مفتوحة على كل شيء، انفتاح عالمي غير مسبوق، وتناقضات محلية بين وعود التنمية وواقع التهميش.
إن ما نلاحظه اليوم من مظاهر تخريب للممتلكات العامة والخاصة، وما يرافقها من عنف يتصاعد في لحظات الاحتقان، ليس مجرد انحراف شبابي عابر، بل هو تعبير عن أزمة انتماء عميقة. هذا الحقد الموجه نحو الممتلكات العامة ليس منفصلا عن سياق التهميش والإقصاء الذي تعيشه شرائح واسعة من الشباب، خصوصا في الهوامش والقرى والمدن البعيدة عن المركز. فحدة العنف تزداد كلما ابتعدنا عن فضاءات المركز المندمج نسبيا في دينامية الدولة، وكلما اقتربنا من الأطراف حيث تغيب الفرص وتترسخ الفوارق الاجتماعية.
وإذا كانت البلاد قد رفعت في السنوات الأخيرة شعارات من قبيل: “مغرب الأمن والأمان”، “تمغرابيت جامعتنا”، “مغرب الإنجازات والمشاريع العملاقة”، فإن هذه الشعارات تحتاج اليوم إلى إعادة تفكير عميقة. فلا يكفي أن تبقى مرتبطة بالشاشات والخطابات الرسمية، بل يجب أن تترجم إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية، وأن تندمج مع الواقع بدل أن تنفصل عنه. فالمطلوب هو ربط الشعارات بالفعل التنموي الحقيقي، وتطعيمها بالبعد الاجتماعي والتربوي، حتى لا تبقى مجرد واجهة دعائية.
ولا يمكن لهذه المراجعة أن تظل مسؤولية الدولة وحدها، بل هي ورش مجتمعي متكامل يتطلب تضافر الأدوار. فالمؤسسة التعليمية مطالبة باستعادة مكانتها كفضاء لبناء الشخصية والمواطنة، والأحزاب السياسية مدعوة إلى تجديد خطابها وبرامجها لتكون قريبة من هموم الشباب وقادرة على استقطابهم بجدية لا بشعارات موسمية، فيما يبقى على المجتمع المدني أن يلعب دوره كجسر بين الشارع والمؤسسات، عبر مبادرات إدماجية وتوعوية ملموسة.
أما الأسرة، فهي المكوّن الأكثر مركزية في التربية وضبط السلوك. وما نراه اليوم من شباب أقل من 18 سنة يقودون المظاهرات ويشاركون في التخريب، يشير إلى أن الأسرة كمكون اجتماعي فاعل غائبة تماما أو فقدت تأثيرها التقليدي، ولم تعد تلعب الدور الذي يفترض بها في توجيه الناشئة وغرس القيم الأخلاقية والانتماء للمجتمع.
أما الإعلام والمؤثرون، فعليهم مسؤولية أخلاقية وثقافية تتجاوز إنتاج محتوى سريع الاستهلاك. فالإذاعة والتلفزة العمومية، التي كانت في زمن سابق منابر لصياغة الرأي العام وبناء الانتماء المشترك، لم تعد قادرة اليوم على القيام بهذا الدور بنفس القوة، بعدما تحول اهتمام الشباب نحو المنصات الرقمية التي تستهويهم وتستحوذ على انتباههم. البرامج التقليدية لم تعد تلفت نظر هذا الجيل، لأنه يبحث عن محتوى تفاعلي حي، يعكس واقعه ويجيب عن أسئلته اليومية. من هنا، فإن الإعلام العمومي مطالب بإعادة ابتكار نفسه، لا ليبقى مجرد ناقل للخطاب الرسمي، بل ليصبح فضاء للتواصل الحقيقي مع الشباب، يترجم همومهم وتطلعاتهم، وينفتح على طاقاتهم الإبداعية. أما المؤثرون، فعليهم مسؤولية مضاعفة في أن يكونوا جزءا من الحل لا من تعميق الاغتراب، عبر محتوى يفتح الأفق ويزرع الأمل بدل أن يكرس الفراغ والعدمية.
إن الحديث عن عقد اجتماعي جديد لا يعني القطيعة مع ما تحقق، بقدر ما يعني إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدلا وواقعية. هذا العقد يقوم أولا على الاعتراف بالشباب كفاعل أساسي، لا كموضوع للمراقبة أو التوجيه فقط، بل كشريك في صياغة السياسات العمومية وفي تقييمها. ويقوم ثانيا على إعادة توزيع الفرص والموارد بما يقلص الفوارق بين المركز والهامش، ويمنح ساكنة القرى والمدن البعيدة نفس الحق في التنمية والعيش الكريم. كما يفترض ثالثا إعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية، باعتبارها حجر الزاوية في بناء الإنسان المواطن، لا مجرد قناة لتخريج أفواج عاطلة أو مهاجرة.
هذا العقد الجديد ينبغي أن يرسخ أيضاً ثقافة المساءلة المتبادلة: مساءلة الدولة بمؤسساتها، والأحزاب السياسية ببرامجها، والجماعات الترابية بقراراتها، ولكن أيضاً مساءلة الشباب لأنفسهم حول سلوكياتهم واختياراتهم وطرق تعبيرهم، ومساءلة الأسرة في دورها التربوي والتوجيهي. إنه عقد يوازن بين الحقوق والواجبات، بين الحرية والمسؤولية، وبين الطموح الفردي والالتزام الجماعي.
في النهاية، فإن مستقبل جيل Z ليس قدرا مكتوبا بالفوضى أو التمرد، بل فرصة لإعادة اكتشاف أنفسنا كمجتمع يبحث عن طريق جديد نحو الانتماء المشترك. والشرط الأساسي لإنجاح هذا التحول هو الجرأة على النقد، والقدرة على الإصغاء، والإرادة في الفعل المشترك. فذلك وحده ما يجعل من شعارات مثل “مغرب الأمن والأمان” أو “تمغرابيت جامعانا” أكثر من مجرد كلمات، بل قيماً متجسدة في حياة الناس اليومية.
*طالب باحث بسلك الدكتوراه ومهتم بقضايا الشباب والمجتمع المدني.
