حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من ما وصفته بـ”هندسة القوانين” التي تجعل التشريع أداة لشرعنة الاستبداد ومأسسة القمع بدل حماية الحقوق والحريات. معتبرة أن عددا من النصوص القانونية أصبحت تستخدم لتقييد الفضاء المدني والسياسي وإضفاء المشروعية على التضييق. وذلك في إطار اللقاء الدراسي الذي ينظمه مكتبها المركزي. السبت 18 يوليوز 2026. بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس الجمعية.
وقدمت سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أرضية اللقاء المعنون بـ “هندسة القوانين كآلية لشرعنة الاستبداد ومأسسة القمع”. والتي اعتبرت فيها أن “التشريع في الأنظمة السلطوية يفقد وظيفته الأصلية المتمثلة في إرساء العدالة وصون الحقوق، ليتحول إلى وسيلة لإحكام السيطرة على المجتمع”. عبر الانتقال من مفهوم “سيادة القانون”، الذي يخضع فيه الجميع لقواعد عادلة ومتساوية. إلى “الحكم بالقانون”. حيث تصبح النصوص القانونية نفسها أداة لتجريم المعارضة السلمية، وخنق الحريات. مع الحفاظ على واجهة مؤسساتية تمنح هذه الممارسات غطاء قانونيا.
وترى الجمعية أن هذا التحول يتم عبر آليات تشريعية متعددة. أبرزها اعتماد مصطلحات فضفاضة ونصوص مطاطة في القوانين الجنائية. تمنح السلطات الأمنية والقضائية صلاحيات واسعة لتجريم أفعال أو آراء تحت مسميات غير محددة. مثل “الإخلال بالنظام العام” أو “إهانة رموز الدولة”. بما يدفع الأفراد إلى ممارسة الرقابة الذاتية خوفا من المتابعة.
كما تشير الأرضية إلى أن تشريعات الطوارئ ومكافحة الإرهاب. تحولت، في عدد من الحالات، من إجراءات استثنائية إلى قواعد دائمة لتقييد الحقوق. بالتوازي مع ما وصفته بـ”الحصار البيروقراطي” المفروض على تأسيس الجمعيات وتمويلها. وتشديد الرقابة على الإعلام والفضاء الرقمي. فضلا عن سن قوانين تؤثر على استقلال السلطة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة.
دستور 2011
واعتبرت الجمعية أن دستور سنة 2011، رغم ما يتضمنه من ضمانات للحقوق والحريات. يصطدم بترسانة من القوانين العادية التي تفرغ تلك الضمانات من محتواها العملي. واستشهدت في هذا السياق بعدد من مقتضيات القانون الجنائي. خاصة الفصول المتعلقة بـ”المس بالثوابت” و”إهانة هيئات منظمة وموظفين عموميين”. معتبرة أن غياب تعريفات دقيقة لهذه المفاهيم. فتح المجال أمام متابعة صحفيين ومدونين بسبب انتقادات أو آراء مرتبطة بالشأن العام.
وسجلت الجمعية أيضا أن مشروع قانون المسطرة المدنية يقلص، حسب تقديرها، من ضمانات الولوج إلى العدالة. فيما يطرح مشروع قانون المحاماة تحديات تمس استقلالية رسالة الدفاع. معتبرة أن هذه المشاريع تندرج ضمن توجه تشريعي يحد من الضمانات الحقوقية.
قانون مكافحة الإرهاب
وفي السياق ذاته، انتقدت الجمعية قانون مكافحة الإرهاب رقم 03.03. معتبرة أن صياغته الفضفاضة سمحت، وفق تصورها، بتوجيه تهم ثقيلة في محطات احتجاجية. من بينها حراك الريف. كما اعتبرت أن اللجوء إلى مقتضيات القانون الجنائي في قضايا التعبير، رغم خلو قانون الصحافة والنشر من العقوبات السالبة للحرية. يؤدي عمليا إلى إعادة إنتاج العقوبات الحبسية في قضايا الرأي.
وتوقفت الأرضية كذلك عند ما وصفته بالتضييق على الفضاء المدني، من خلال الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع القانونية للجمعيات. وتقييد الحق في التظاهر السلمي، واعتماد القانون التنظيمي للإضراب بما اعتبرته تضييقا على ممارسة هذا الحق الدستوري. فضلا عن التوسع في اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي.
الاتفاقيات الدولية
وأكدت الجمعية أن المرجعية الدولية لحقوق الإنسان تميز بين قانونية النص وشرعيته. معتبرة أن أي تشريع يتعارض مع روح الاتفاقيات الدولية المصادق عليها لا يكتسب المشروعية الحقوقية. مستحضرة في هذا الإطار مقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إضافة إلى مبادئ سيراكوزا لسنة 1984. التي تشدد على ضرورة احترام معايير الشرعية والضرورة والتناسب في كل قيد يفرض على الحقوق والحريات.
وتم تخصيص اللقاء الدراسي لمناقشة ستة محاور رئيسية، تشمل قانون المسطرة المدنية وضمانات المتقاضين، وقانون المسطرة الجنائية والمحاكمة العادلة. ومشروع قانون المحاماة واستقلالية الدفاع، وتشريع الشغل وقانون الإضراب. وقانون الصحافة والنشر وحرية التعبير الرقمي. ثم قوانين الحريات العامة وتحديات الفضاء المدني.

