لم يكن الإعلان عن مشروع FIFA Forward Enterprise (FFE) مجرد خبر اقتصادي عابر داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، بل شكّل صدمة حقيقية في عالم الرياضة، وفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
وللمرة الأولى في تاريخ الفيفا، يجري الحديث بصورة رسمية عن إنشاء كيان تجاري مستقل يضم الحقوق الاقتصادية لأغلى منتج رياضي على وجه الأرض: كأس العالم.
وبينما يصف رئيس الفيفا جياني إنفانتينو المشروع بأنه “ثورة اقتصادية” ستوفر مليارات الدولارات لتطوير اللعبة، يرى معارضوه أنه يمثل بداية انتقال كرة القدم العالمية إلى منطق الأسواق المالية وصناديق الاستثمار، وأنه قد يغيّر طبيعة العلاقة بين الرياضة ورأس المال لعقود مقبلة.
وتشير التقارير إلى أن: عملاق البنوك الامريكية JPMorgan يشارك في هيكلة العملية المالية، إلى جانب مجموعة استثمارية يقودها المستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر، شقيق صهر الرئيسالأمريكي، من خلال Thrive Eternal.
لماذا الآن؟
السؤال الأول الذي طرحه كثير من المراقبين هو: لماذا اختارت الفيفا هذا التوقيت؟
الجواب يكمن في التحول الكبير الذي شهدته إيرادات المنظمة خلال العقد الأخير. فمنذ وصول جياني إنفانتينو إلى رئاسة الفيفا عام 2016، اعتمد سياسة توسعية غير مسبوقة، تمثلت في: رفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخبًا. وإطلاق النسخة الجديدة الموسعة من كأس العالم للأندية. وزيادة عدد البطولات التي تنظمها الفيفا.
التوسع في الأسواق الآسيوية والإفريقية والأميركية.
كل هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم، في وقت أصبحت فيه حقوق البث التقليدية تقترب من سقفها التجاري في كثير من الأسواق، وهو ما دفع الفيفا إلى البحث عن مصادر جديدة للسيولة دون اللجوء إلى الاقتراض.
من أين جاءت الفكرة؟
الفكرة ليست جديدة بالكامل. خلال السنوات الأخيرة باعت عدة بطولات رياضية عالمية حصصًا في حقوقها التجارية لصناديق استثمار، مثل رابطة الدوري الإسباني، وبعض مسابقات الرجبي والكريكيت، كما دخلت شركات الاستثمار الخاصة بقوة إلى عالم الرياضة.
لكن كأس العالم ظل دائمًا خارج هذا النموذج، باعتباره أهم وأغلى أصل رياضي تملكه الفيفا.
ولهذا، يرى كثير من الخبراء أن إنشاء شركة مستقلة يمثل خطوة تمهيدية لإدخال المستثمرين إلى هذا المجال بطريقة غير مباشرة، من دون بيع البطولة نفسها.
ماذا ستملك الشركة؟
بحسب التصور الأولي، ستضم الشركة جميع الحقوق التجارية الكبرى للفيفا، ومنها:
حقوق البث التلفزيوني.
عقود الرعاية العالمية.
بيع التذاكر.
التراخيص التجارية.
الحقوق الرقمية.
استغلال العلامة التجارية لكأس العالم.
حقوق كأس العالم للأندية.
بعض الحقوق المرتبطة بالبطولات الأخرى.
أما الجانب الرياضي، مثل تنظيم المنافسات ووضع اللوائح واختيار الدول المستضيفة، فسيظل من اختصاص الفيفا.
لماذا تقدر قيمة الشركة بـ20 مليار دولار؟
يعتمد التقييم على الإيرادات المستقبلية وليس على الأصول الحالية فقط.
فكأس العالم 2026 سيكون الأكبر في التاريخ، كما أن كأس العالم للأندية بصيغته الجديدة يُنتظر أن يحقق عائدات إضافية كبيرة.
وتراهن الفيفا أيضًا على ارتفاع قيمة الحقوق الرقمية ومنصات البث المباشر خلال السنوات المقبلة، ما يجعل المستثمرين مستعدين لدفع مبالغ ضخمة مقابل حصة من العائدات المستقبلية.
لماذا يثير دخول المستثمرين القلق؟
تؤكد الفيفا أن المستثمرين لن يملكوا أي سلطة رياضية.
لكن منتقدي المشروع يرون أن النفوذ الاقتصادي قد يتحول مع مرور الوقت إلى نفوذ سياسي.
فالمستثمر الذي يضخ مليارات الدولارات سيرغب بطبيعة الحال في حماية استثماره وتعظيم أرباحه، وقد يمارس ضغوطًا غير مباشرة لتوسيع البطولات أو زيادة عدد المباريات أو تعديل نماذج التسويق، وهي قرارات قد تؤثر في مستقبل اللعبة حتى إن لم يتدخل رسميًا في إدارتها.
أوروبا… أكبر الخاسرين؟
يرى عدد من المحللين أن المعارضة الأوروبية لا ترتبط فقط بمبدأ الحوكمة، بل أيضًا بتوازن القوى داخل كرة القدم.
فالسنوات الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا لنفوذ الفيفا على حساب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، سواء من خلال كأس العالم للأندية أو زيادة عدد بطولات المنتخبات.
ومن هذا المنطلق، يخشى الأوروبيون أن تؤدي الموارد المالية الجديدة إلى تعزيز نفوذ إنفانتينو والفيفا، بما يقلص من قدرة الاتحادات القارية على التأثير في القرارات العالمية.
هل توجد أبعاد سياسية؟
يرى مراقبون أن المشروع يعكس أيضًا فلسفة إنفانتينو في إدارة الفيفا.
فالرئيس السويسري اعتمد منذ انتخابه على بناء تحالف واسع مع الاتحادات الصغيرة في إفريقيا وآسيا ومنطقة الكاريبي وأوقيانوسيا، من خلال زيادة الدعم المالي وبرامج التطوير. هذه الاتحادات متهمة بالفساد في أكثر من ملف وقضية، بعضها أحيل على المحاكم المحلية. ويتهم رئيس الفيفا بالسكوت عن حجم الفساد والرشاوي واختلاس أموال الفيفا مقابل الدعم والأصوات التي يحصل عليها.
وإذا نجح المشروع في توفير مليارات إضافية، فقد يمنح الفيفا قدرة أكبر على تمويل تلك الاتحادات، وهو ما قد يعزز النفوذ السياسي للرئاسة داخل الجمعية العمومية التي تضم 211 اتحادًا.
هل يمكن أن يفشل المشروع؟
نعم.
فالخطة ما زالت في مراحلها الأولى، وتحتاج إلى موافقات مؤسسية، كما أن استمرار المعارضة الأوروبية، وانضمام اتحادات قارية أخرى إليها، قد يدفع الفيفا إلى تعديل المشروع أو تقليصه أو تأجيله.
كما أن نجاح المشروع مرتبط بقدرة الفيفا على إقناع المستثمرين بأن العائدات المستقبلية ستبرر التقييم المرتفع للشركة.
ماذا يقول الخبراء؟
ينقسم المختصون في الاقتصاد الرياضي إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول يرى أن الفيفا تتصرف مثل أي مؤسسة عالمية تبحث عن أفضل السبل لاستثمار أصولها، وأن جذب رؤوس الأموال الخاصة قد يوفر موارد هائلة لتطوير كرة القدم في الدول الفقيرة.
أما الاتجاه الثاني فيحذر من أن إدخال المستثمرين إلى قلب المنظومة التجارية لأكبر بطولة في العالم قد يفتح الباب تدريجيًا لتغليب منطق الربح على الاعتبارات الرياضية، ويجعل القرارات المستقبلية أكثر ارتباطًا بمصالح الأسواق.
السيناريوهات المحتملة
إذا حصل المشروع على الموافقة، فستبدأ الفيفا في تأسيس الشركة الجديدة وطرح حصة منها لمستثمرين، مع الاحتفاظ بالأغلبية.
أما إذا تصاعدت المعارضة، فقد تلجأ الفيفا إلى إعادة صياغة المشروع، أو تخفيض نسبة الأسهم المعروضة، أو منح الاتحادات الأعضاء دورًا أكبر في الإشراف على الشركة، لتخفيف المخاوف المتعلقة بالحوكمة.
بعيدًا عن الشعارات، لا يتعلق مشروع FIFA Forward Enterprise ببيع كأس العالم، بل بإعادة هيكلة الطريقة التي تُدار بها ثروته التجارية. ومع ذلك، فإن إنشاء شركة تمتلك الحقوق الاقتصادية لأهم بطولات الفيفا وفتح باب الاستثمار فيها يمثل تحولًا غير مسبوق في تاريخ المؤسسة.
ولهذا، لا ينظر كثيرون إلى المشروع باعتباره مجرد عملية مالية، بل باعتباره معركة على مستقبل كرة القدم نفسها: هل ستظل رياضة تُدار بمنطق المؤسسات الرياضية التقليدية، أم ستصبح، أكثر من أي وقت مضى، جزءًا من عالم الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار؟

