دعت ورقة سياسات حديثة إلى إعادة بناء العلاقة الضريبية بين الدولة والجمعيات. مؤكدة أن المنظومة الحالية لا تعكس خصوصية العمل غير الربحي. بل تضع الجمعيات في وضعية قانونية وجبائية “هجينة” تجعلها مطالبة بأداء وظائف اجتماعية وتنموية واسعة. مقابل تحمل أعباء ضريبية مماثلة لتلك المفروضة على الفاعلين الاقتصاديين. وترى الورقة، التي نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن تجاوز هذا الاختلال يمر عبر إصلاح تدريجي يقوم على إجراءات استعجالية. ثم ملاءمة ضريبية، وصولا إلى إرساء نظام جبائي مستقل ومتكامل خاص بالجمعيات.
وأكدت الورقة التي أعدها سفيان الكمري، أن الجمعيات توجد اليوم في وضعية متناقضة؛ فمن جهة ينتظر منها الاضطلاع بأدوار اجتماعية وتنموية ذات منفعة عامة، ومن جهة أخرى يتم معاملتها ضريبيا كفاعل اقتصادي تجاري. وهو ما يخلق تناقضا بين منطق الخدمة العامة ومتطلبات النظام الجبائي. ويؤثر بشكل مباشر على استدامة العمل الجمعوي.
الإعفاءات
وأبرزت أن المدونة العامة للضرائب، رغم اعتراف قانون تأسيس الجمعيات بالطابع غير الربحي. تخضع الجمعيات للضريبة على الشركات استنادا إلى “المعيار المادي”. مع ربط الإعفاءات بإثبات ثلاثة شروط متراكمة. هي التدبير غير التجاري، وعدم منافسة القطاع الخاص، واختلاف شروط ممارسة النشاط عن المقاولة. وترى الورقة أن غياب معايير دقيقة لتعريف هذه المفاهيم يمنح الإدارة الضريبية سلطة تقديرية واسعة. ويجعل الجمعيات في مواجهة دائمة مع مخاطر المراجعات الضريبية المفاجئة. بما يهدد استقرارها المؤسساتي.
ولم تقتصر الورقة على الضريبة على الشركات، بل اعتبرت أن العبء الضريبي يمتد إلى ما وصفته بـ”الضرائب الخفية”. وفي مقدمتها الضريبة على القيمة المضافة، التي تتحول بالنسبة للجمعيات إلى تكلفة مباشرة لعدم تمكينها من استرجاعها. إضافة إلى الاقتطاع من المنبع على الأجور، ورسوم التسجيل والتمبر، والرسوم المحلية، فضلا عن التزامات محاسبية وتصريحية متعددة. الأمر الذي يستهلك جزءا مهما من ميزانيات البرامج التنموية ويثقل البنية الإدارية للجمعيات.
تشريعات مقارنة
وفي المقابل، أشارت الورقة إلى أن العديد من التشريعات المقارنة، من بينها فرنسا وفنلندا وأذربيجان والسويد، تتبنى أنظمة ضريبية أكثر ملاءمة للعمل غير الربحي. سواء عبر السماح للجمعيات بممارسة أنشطة مدرة للدخل ضمن سقف مالي محدد، أو منح امتيازات ضريبية مرتبطة بطبيعة الأنشطة ذات المنفعة العامة. انسجاما مع المعايير الدولية التي توصي بمعاملة ضريبية خاصة للجمعيات، معتبرة أن المغرب ما يزال يفتقر إلى إطار مماثل.
وسجلت الورقة أن الحوافز الضريبية الممنوحة حاليا تبقى محصورة أساسا في الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة. إضافة إلى بعض الجمعيات العاملة في مجالات الإعاقة والصحة والأعمال الاجتماعية والرياضة. بينما لا يتجاوز عدد الجمعيات الحاصلة على صفة المنفعة العامة 257 جمعية، مقابل ما يقارب 200 ألف جمعية وفق بعض التقديرات. وهو ما اعتبرته مؤشرا على محدودية الاستفادة من الامتيازات الضريبية بسبب تعقيد شروط الحصول على هذه الصفة.
كما لفتت إلى غياب تصنيف قانوني رسمي للجمعيات، وإلى عدم مواكبة النظام الضريبي لمتطلبات التشغيل داخل القطاع. رغم أن الجمعيات توفر نحو 170 ألف منصب شغل بدوام كامل وفق البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2019. معتبرة أن غياب التحفيزات الضريبية الخاصة بالتشغيل يضعف استدامة هذه المناصب ويحد من مساهمة القطاع في امتصاص البطالة.
إطار ضريبي محفز
وفي هذا السياق، دعت الورقة إلى اعتماد إطار ضريبي أكثر تحفيزا، يتضمن إعفاءات من الضريبة على الدخل لفائدة الجمعيات التي تشغل عددا محدودا من الأجراء. مع مراجعة معايير الدعم العمومي لتشمل تغطية مصاريف التسيير والأجور، مقابل ضمان التصريح الإجباري بالعاملين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. بما يحقق التوازن بين دعم الجمعيات وحماية الحقوق الاجتماعية للعاملين.
كما أوصت بتوسيع التحفيزات الجبائية لفائدة المانحين من الأفراد والشركات، بهدف تعزيز التمويل الوطني للجمعيات وتقليص اعتمادها على المنح الخارجية. إلى جانب إطلاق برامج لتقوية الثقافة والوعي الجبائي لدى الفاعلين الجمعويين، في ظل ما رصدته من انتشار حالات عدم الانتظام الضريبي بسبب الاعتقاد الخاطئ بالإعفاء من التصريح.
ورأت الورقة أن إصلاح السياسة الضريبية يواجه تعقيدات مرتبطة بالبيروقراطية وغياب معطيات دقيقة حول العائدات الضريبية المرتبطة بالقطاع الجمعوي. إضافة إلى تخوفات رسمية مرتبطة بالحفاظ على التوازنات المالية. كما اعتبرت أن المبادرات الإصلاحية التي عرفها البرلمان والقطاع الحكومي المكلف بالعلاقات مع المجتمع المدني، فضلا عن الدينامية الترافعية التي تقودها بعض مكونات المجتمع المدني منذ سنة 2013. لم تنجح في إحداث تحول جوهري بسبب غياب إرادة سياسية كافية، رغم تحقيق بعض المكاسب المحدودة، من بينها تحفيزات تضمنها قانون المالية لسنة 2021.
سيناريوهات الإصلاح
وانطلاقا من هذه المعطيات، رسمت الورقة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الإصلاح. ويتمثل الأول في إصلاح شامل يقوم على إحداث نظام ضريبي مستقل للجمعيات عبر تعديل المدونة العامة للضرائب بما يراعي خصوصية القطاع. أما السيناريو الثاني، الذي اعتبرته الأكثر واقعية، فيقوم على إصلاح جزئي تراكمي من خلال إدراج تحفيزات ضريبية تدريجية ضمن قوانين المالية، خاصة تلك المتعلقة بالأجراء والأنشطة المدرة للدخل. فيما يقوم السيناريو الثالث على استمرار الوضع الحالي مع الاكتفاء بتبسيط مساطر الإعفاء والامتثال الضريبي دون تعديل جوهري للمنظومة.
وخلصت الورقة إلى أن المقاربة الأكثر ملاءمة للمغرب تتمثل في إصلاح تدريجي يقوم على ثلاث مراحل متكاملة؛ تبدأ بإجراءات استعجالية لتخفيف الأعباء الضريبية والإدارية، تشمل إعفاءات من رسوم التسجيل والتمبر، وتخفيض الاقتطاعات الضريبية على الأجور، وتوسيع الخصم الضريبي للمانحين. ثم الانتقال إلى مرحلة تضع معايير قانونية واضحة تميز بين الربح التجاري والأنشطة المدرة للدخل، مع اعتماد سقف معاملات معفى من الضرائب، قبل الوصول إلى إصلاح هيكلي يحقق الانسجام بين المدونة العامة للضرائب والقوانين المنظمة للجمعيات، ويوحد النظام المحاسباتي. ويحدث آلية وطنية مستقلة لمواكبة الشؤون المالية والضريبية للجمعيات، بما يعزز الحكامة والشفافية ويضمن استدامة القطاع الجمعوي.


