مع دخول إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب مرحلة جديدة مع إحداث المجموعات الصحية الترابية، يطرح السؤال حول ما إذا كان هذا التغيير سيصل فعلا إلى المواطن، أم أنه سيبقى في حدود إعادة ترتيب المؤسسات وتوزيع الاختصاصات على المستوى الجهوي.
وضمن دراسة بعنوان؛ “أي تكامل للاقتصاد الدائري والذكاء الاقتصادي والذكاء الترابي في المجموعات الصحية الترابية بالمغرب؟ نموذج الحمض النووي الصحي الترابي كإطار قابل للاختبار”، اقترح معدوها الجواب على هذا السؤال استنادا على ما إذا كان هذا الإصلاح سينعكس على مدة الانتظار، واستمرارية العلاج، وجاهزية التجهيزات، وتوفر الأدوية، وتقليص الفوارق الصحية بين المجالات الترابية، وليس فقط على الهياكل وعد الأسرة المحدثة.
وتنطلق الدراسة المنشورة على مجلة “أطلنتس” والتي أعدها عبد النبي السباعي وأمين سامي ويونس الخيضر وبوجمعة همومي، من فكرة مفادها أن نقل المسؤوليات إلى المستوى الجهوي لا يضمن بمفرده تحسن التنسيق أو الكفاءة أو الإنصاف.
ويقترح معدو الدراسة في المقابل إطارا لتحليل قدرة المجموعات الصحية الترابية على إنتاج القيمة الصحية والاحتفاظ بها وإعادة توظيفها داخل المجال الترابي، من خلال الجمع بين الاقتصاد الدائري والذكاء الاقتصادي والذكاء الترابي.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي أمين سامي، أحد المشاركين في الدراسة، إن “الرهان الحقيقي في إصلاح المجموعات الصحية الترابية لا يكمن في إحداث هياكل جديدة أو نقل الاختصاصات إلى المستوى الجهوي، بل في قدرة هذه البنيات على تحويل الموارد والإنفاق الصحي إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن”.
وأضاف سامي، في تصريح لجريدة “سفيركم” ان هذه العملية لن تتحقق إلا من خلال “تقليص مدة الانتظار، ضمان استمرارية العلاج، تحسين جاهزية التجهيزات، الحد من نفاد الأدوية والمستلزمات، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية”.
وتابع الخبير الاقتصادي، “الدراسة تؤكد أن وجود البنية التنظيمية لا يعني بالضرورة وجود أداء فعلي، وأن نجاح الإصلاح يتوقف على جودة القرار، وتكامل البيانات، والصيانة، والشراء، والتنسيق بين الفاعلين، وربط كل تدخل بنتيجة قابلة للقياس”.
وهنا تضع الدراسة فاصلا واضحا بين وجود المجموعة الصحية الترابية كهيكل قانوني وتنظيمي. وبين قدرتها على إنتاج نتائج فعلية، لتنقل بذلك سؤال هل تم إنشاء البنية؟. بل ماذا تستطيع هذه البنية أن تفعل. وبأي آليات. وكيف يمكن قياس نتائجها؟ إلى قلب النقاش العمومي.
ومن بين أبرز المفاهيم التي تطرحها الدراسة في هذا السياق، مفهوم “تسرب القيمة الصحية”. والمقصود به أن جزءا من الموارد التي تنفق على الصحة قد لا يتحول إلى قيمة فعلية للمريض والمجال بسبب توقف التجهيزات. وضعف الصيانة. وقصر دورة حياة الأصول. وتشتت البيانات. وضعف التنسيق والتعلم بين مختلف المؤسسات والفاعلين.
وأوضح سامي في هذا الصدد، “وبالتالي هنا تبرز فكرة أساسية هي تسرب القيمة الصحية، فقد تنفق الدولة موارد مهمة. لكن جزءا من قيمتها يمكن أن يضيع بسبب توقف التجهيزات. وضعف الصيانة. وقصر دورة حياة الأصول. وتشتت البيانات. وضعف التنسيق والتعلم بين المؤسسات”.
وتابع، “لذلك لم يعد السؤال فقط: كم ننفق على الصحة؟. بل السؤال الأهم هو : ماذا يحقق كل درهم يُنفق على الصحة للمريض وللمجال الترابي؟”
وتحاول الدراسة الإجابة عن هذا السؤال من خلال ثلاثة مسارات مترابطة؛ الأول يتعلق بالاقتصاد الدائري. بما يشمل تدبير التجهيزات والموارد وإطالة عمر الأصول والصيانة. والثاني يرتبط بالذكاء الاقتصادي. من خلال جمع المعلومات وتحليلها واستعمالها في القرار والشراء وتدبير المخاطر. أما الثالث فيهم الذكاء الترابي، الذي يربط المعطيات بحاجات السكان وينسق بين المؤسسات والفاعلين داخل المجال.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن الرهان لا ينبغي أن يبقى مرتبطا بما تتوفر عليه المنظومة من وسائل. مؤكدا أن المطلوب الآن “هو الانتقال من منطق قياس الوسائل إلى منطق قياس النتائج: من عدد الأسرة والتجهيزات واللجان إلى مؤشرات مثل جاهزية الأجهزة، وأيام نفاد المواد الحرجة. وزمن الانتظار. والولوج للخدمة. وتجربة المريض والإنصاف المجالي”.
وتمثل هذه النقطة جوهر النموذج الذي تقترحه الدراسة. إذ تميز بين القدرات والتدخلات والمخرجات والنتائج والآثار. وبحسب هذا التصور، فإن تحسن الأداء لا يقاس بمجرد وجود التجهيز أو اللجنة أو الوحدة الإدارية. وإنما بما ينتج عنها من قرارات وتدخلات. ثم بما إذا كانت هذه التدخلات تؤدي فعلا إلى تحسين مؤشرات مرتبطة بالمريض والخدمة الصحية.
ولا يقتصر الأمر، وفق الدراسة، على المعدلات العامة داخل كل جهة، إذ يمكن أن تخفي المتوسطات الجهوية تفاوتات كبيرة بين مناطقها. ما يجعل الإنصاف المجالي أحد المؤشرات الأساسية لقياس أثر الإصلاح. إلى جانب الولوج إلى الخدمات واستمرارية العلاج وجاهزية الموارد.
ويرى سامي أن تجاهل هذه المؤشرات قد يقود إلى نتيجة مختلفة عن الهدف المعلن من الإصلاح. موضحا، “وإذا لم ينعكس الإصلاح على هذه المؤشرات، فقد نكون أمام تغيير في الهندسة الإدارية أكثر من كوننا أمام تحول حقيقي في الخدمة الصحية”.
وتربط الدراسة، في المقابل، نجاح الذكاء الترابي بقدرة المجموعة الصحية على تحويل المعطيات المتعلقة بالمجال وحاجات السكان إلى قرارات قابلة للتنفيذ والتقييم. وليس بمجرد تعدد الاجتماعات أو عدد المتدخلين. مشددة على ضرورة التنسيق بين المؤسسات الصحية والجماعات والجامعة والمجتمع المدني وباقي الفاعلين.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الدراسة لا يتعلق فقط بما إذا كانت المجموعات الصحية الترابية ستغير شكل إدارة القطاع. وإنما بما إذا كانت ستغير نتائج الخدمة الصحية نفسها.
وفي ذات السياق، تخلص الدراسة إلى أن الانتقال إلى حكامة جهوية جديدة لا يصبح إصلاحا ملموسا إلا عندما يمكن ربطه بمؤشرات واضحة يشعر بها المواطن. أو يمكن قياسها على أرض الواقع.
واختصر أمين سامي هذا الرهان مؤكدا أن “التحدي ليس في إنشاء المجموعات الصحية الترابية. بل في إثبات أن كل درهم صحي يتحول إلى قيمة يلمسها المواطن”.
وشدد معدوا الدراسة على أن اختبار نموذج المجموعات الصحية يحتاج إلى بيانات زمنية. وتحليل تجريبي. ومقارنة بين المجموعات الصحية الترابية. حتى يمكن الانتقال من الفرضيات إلى قياس الأثر الفعلي.


