شهدت مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، بعدما تمكن مئات المهاجرين، أغلبهم من المغاربة. من الوصول إلى المدينة سباحة أو عبر محاولات متكررة لاجتياز السياج الحدودي. في تطورات أعادت إلى الواجهة ملف الهجرة بين الضفتين. وأثارت حالة استنفار لدى السلطات الإسبانية التي وجدت نفسها أمام ضغط متزايد على مراكز الاستقبال والإيواء.
وأعادت هذه التطورات إلى الأذهان أزمة ماي 2021، غير أن السياق الحالي يبدو مختلفا في ظل استمرار التعاون الأمني بين الرباط ومدريد. وتجنب الجانبين أي تصعيد رسمي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية وراء موجة الهجرة الأخيرة. وما إذا كانت تعكس مجرد ضغوط اجتماعية واقتصادية، أم تحمل أبعادا سياسية مرتبطة بالعلاقات الثنائية.
البجوقي: موجة الهجرة نتاج عوامل متداخلة وليست نتيجة قرار سياسي
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الحميد البجوقي، الباحث والكاتب المتخصص في قضايا الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية. أن موجة الهجرة الأخيرة إلى سبتة هي نتاج تداخل عدة عوامل، منها الضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع الشباب إلى الهجرة. واستغلال شبكات تهريب البشر لفترة الصيف، وربما وجود ثغرات أو ظروف ميدانية شجعت على تكرار محاولات العبور. مؤكدا أنه لا توجد، حتى الآن، معطيات علنية كافية تؤكد أن هذه الموجة جاءت نتيجة قرار سياسي مباشر.
وبخصوص ما إذا كانت هذه الموجة تعكس تدهورا في العلاقات المغربية الإسبانية، قال البجوقي إنه لا يعتقد ذلك. موضحا أن العلاقات الرسمية بين الرباط ومدريد ما تزال قوية، وأن التعاون الأمني والاقتصادي مستمر. إلى جانب وجود مصالح استراتيجية مشتركة، خاصة في أفق استضافة كأس العالم 2030. وأضاف أن ما يحدث لا يعكس أزمة دبلوماسية شبيهة بما وقع سنة 2021.
توقعات باستمرار ضغوط الهجرة وتعزيز التعاون المغربي الإسباني
وفي المقابل، أوضح البجوقي أنه لا يمكن استبعاد أن تستفيد بعض الأطراف الإقليمية من أي توتر بين المغرب وإسبانيا. لكنه شدد على أهمية التمييز بين وجود مستفيدين محتملين وبين وجود أدلة تثبت أنهم يقفون وراء هذه الموجة. مرجحا أن تخلق التطورات الأخيرة ضغطا سياسيا وإعلاميا مؤقتا، لكنها لن تغير، على الأرجح، المسار الاستراتيجي للعلاقة بين البلدين. لأن حجم المصالح المشتركة اليوم أكبر بكثير من أن تهزه أزمة ظرفية.
وفي قراءته لتطور الوضع خلال السنوات المقبلة، توقع البجوقي استمرار ضغوط الهجرة بشكل متقطع، لكن بالتوازي مع تعزيز آليات التعاون المغربي الإسباني في إدارة الحدود. لأن أمن الضفة الشمالية والجنوبية أصبح مترابطا أكثر من أي وقت مضى.
وأضاف أن الرسالة التي يمكن التقاطها هي أن سبتة لم تعد مجرد نقطة حدودية، بل أصبحت مرآة للتحولات الجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط. حيث تتقاطع قضايا الهجرة والأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والعلاقات الإقليمية.
وختم البجوقي بالتأكيد على أنه يميل شخصيا إلى اعتبار ما يجري مرحلة انتقالية أكثر منها أزمة. مضيفا أنه لم يعد خافيا أن غرب البحر الأبيض المتوسط يشهد إعادة تشكيل لموازين القوى. وأن ما يحدث في سبتة هو أحد مظاهر هذا التحول، وليس بالضرورة مقدمة لمواجهة بين المغرب وإسبانيا.

